وقال ابن العربي (1):
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قوله تعالى { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * . فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ رَدُّهُ مِنْ حَالَةِ الْغَفْلَةِ إلَى حَالَةِ الذِّكْرِ , وَتَوْبَةُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رُجُوعُهُمْ مِنْ حَالَةِ الْمَعْصِيَةِ إلَى حَالَةِ الطَّاعَةِ , وَانْتِقَالُهُمْ مِنْ حَالَةِ الْكَسَلِ إلَى حَالَةِ النَّشَاطِ , وَخُرُوجُهُمْ عَنْ صِفَةِ الْإِقَامَةِ وَالْقُعُودِ إلَى حَالَةِ السَّفَرِ وَالْجِهَادِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَتَوْبَةُ اللَّهِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : دُعَاؤُهُ إلَى التَّوْبَةِ , يُقَالُ : تَابَ اللَّهُ عَلَى فُلَانٍ , أَيْ دَعَاهُ , وَيُقَالُ : تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ : يَسَّرَهُ لِلتَّوْبَةِ , وَقَدْ يَكُونُ خَبَرًا , وَقَدْ يَكُونُ دُعَاءً . وَيُقَالُ : تَابَ عَلَيْهِ : ثَبَّتَهُ عَلَيْهَا , وَيُقَالُ : تَابَ عَلَيْهِ : قَبِلَ تَوْبَتَهُ ; وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ , وَقَدْ جَمَعَ لِهَؤُلَاءِ ذَلِكَ كُلَّهُ , وَيَفْتَرِقُ فِي سَائِرِ النَّاسِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ إلَى التَّوْبَةِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يُيَسِّرُهَا لَهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ إلَيْهَا وَيُيَسِّرُهَا وَلَا يُدِيمُهَا , فَإِنْ دَامَتْ إلَى الْمَوْتِ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قوله تعالى { فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ * : يَعْنِي جَيْشَ تَبُوكَ ; خَرَجَ النَّاسُ إلَيْهَا فِي جَهْدٍ وَحَرٍّ وَرِجْلَةٍ وَعُرْيٍ وَحَفَاءٍ , حَتَّى لَقَدْ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ * . { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ * أَنَّهُمْ طَلَبُوا نِعَالًا . وَفِي الْحَدِيثِ : { لَا يَزَالُ الرَّجُلُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ * .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ * : أَمَّا هَذَا فَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ فِيهِ مَدْخَلٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ , أَمَّا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ يَدْخُلُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ إذْنِهِ لِلْمُنَافِقِينَ فِي التَّخَلُّفِ فَعَذَرَهُ اللَّهُ فِي إذْنِهِ لَهُمْ , وَتَابَ عَلَيْهِ وَعَذَرَهُ , وَبَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ صَوَابَ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا * إلَى : { الْفِتْنَةَ * . وَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيِّ فَكَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِبَقَائِهِمْ بَعْدَهُ , كَأَبِي حَثْمَةَ وَغَيْرِهِ , بِإِرَادَتِهِمْ الرُّجُوعَ مِنْ الطَّرِيقِ حِينَ أَصَابَهُمْ الْجَهْدُ , وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْعَطَشُ , حَتَّى نَحَرُوا إبِلَهُمْ , وَعَصَرُوا كُرُوشَهَا , فَاسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ , فَنَزَلَ الْمَطَرُ ; وَلِهَذَا جَازَ لِلْإِمَامِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ اعْتَذَرَ إلَيْهِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَالِ , وَرِفْقًا بِالْخَلْقِ , اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
---------------
وقال ابن تيمية رحمه الله (2):
(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 4 / ص 446)
(2) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 493)