قال ابن إسحاق:فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغفل [ من السبعة البكائين ] وهما يبكيان فقال:ما يبكيكما ? قال:جئنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليحملنا , فلم نجد عنده ما يحملنا عليه , وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه . فأعطاهما ناضحاً له [ أي جملاً يستقي عليه الماء ] فارتحلاه . وزودهما شيئاً من تمر , فخرجا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق:وأما علبة بن زيد [ أحد البكائين ] فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه , ثم بكى وقال:اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه , ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به , ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه , وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض . . ثم أصبح مع الناس . فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:" أين المتصدق هذه الليلة ? " فلم يقم أحد ! ثم قال:" أين المتصدق ? فليقم " فقام إليه فأخبره . فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:" أبشر , فوالذي نفسي بيده , لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة " . .
ثم خرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفاً من أهل المدينة ومن قبائلالأعراب من حولها . وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب , منهم:كعب ابن مالك , ومرارة بن الربيع , وهلال بن أمية [ وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم ] وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي . . وضرب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عسكره على "ثنية الوداع" وضرب عبد اللّه بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة , أسفل منه , قال ابن إسحاق:[ وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين ] . . ولكن الروايات الأخرى تقول:إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة . . فلما سار رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تخلف عنه عبد اللّه بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب .
ثم مضى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سائراً , فجعل يتخلف عنه الرجل , فيقولون:يا رسول اللّه , تخلف فلان , فيقول:" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم , وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " حتى قيل:يا رسول اللّه , قد تخلف أبو ذر , وأبطأ به بعيره , فقال:" دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم , وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه " . وتلوم أبو ذر على بعيره [ أي انتظر عليه ] , فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره , ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ماشياً . ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض منازله , فنظر ناظر من المسلمين فقال:يا رسول اللّه , إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده . فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:" كن أبا ذر " فلما تأمله القوم قالوا:يا رسول اللّه , هو واللّه أبو ذر . فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:" رحم اللّه أبا ذر , يمشي وحده , ويموت وحده , ويبعث وحده "
ثم إن أبا خيثمة رجع - بعد أن سار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أياماً - إلى أهله في يوم حار , فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه [ أي في حديقته ] قد رشت كل واحدة منهما عريشها , وبردت له فيه ماء . وهيأت له فيه طعاماً . فلما دخل قام على باب العريش , فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له , فقال:رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في الضحَ [ أي الشمس ] والريح والحر , وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ?! ما هذا بالنصف ! ثم قال:واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فهيئا لي زاداً . ففعلتا . ثم قدم ناضحه فارتحله , ثم خرج في طلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه حين نزل تبوك . . وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فترافقا , حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب:إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ففعل . حتى إذا دنا من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بتبوك قال الناس:هذا راكب على الطريق مقبل . فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:" كن أبا خيثمة " . فقالوا:يا رسول اللّه , هو واللّه أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم " أولى لك يا أبا خيثمة ! " . ثم أخبر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الخبر . فقال له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - خيرا , ودعا له بخير