تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَإِنَّ التَّوْحِيدَ الْوَاجِبَ أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا نَجْعَلَ لَهُ نِدًّا فِي إلَهِيَّتِهِ لَا شَرِيكًا وَلَا شَفِيعًا . فَأَمَّا " تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ " وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهَذَا قَدْ أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ فَيَقُولُونَ : اللَّهُ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ فَالْكُفَّارُ الْمُشْرِكُونَ مُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا مُسَاوِيًا لَهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَطُّ لَا مِنْ الْمَجُوسِ الثنوية وَلَا مِنْ أَهْلِ التَّثْلِيثِ وَلَا مِنْ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْمَلَائِكَةَ وَلَا مِنْ عُبَّادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا مِنْ عُبَّادِ التَّمَاثِيلِ وَالْقُبُورِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ - وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا مُشْرِكِينَ مُتَنَوِّعِينَ فِي الشِّرْكِ - فَهُمْ مُقِرُّونَ بِالرَّبِّ الْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ أَفْعَالِهِ ؛ وَلَكِنَّهُمْ مَعَ هَذَا مُشْرِكُونَ بِهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ بِأَنْ يَعْبُدُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ أَوْ شُرَكَاءَ ؛ أَوْ فِي رُبُوبِيَّتِهِ بِأَنْ يَجْعَلُوا غَيْرَهُ رَبَّ بَعْضِ الْكَائِنَاتِ دُونَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِأَنَّهُ رَبُّ ذَلِكَ الرَّبِّ وَخَالِقُ ذَلِكَ الْخَلْقِ . وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَأَنْزَلَ جَمِيعَ الْكُتُبِ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ وَقَدْ قَالَتْ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ مِثْلُ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمْ : ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ فَكُلُّ الرُّسُلِ دَعَوْا إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِلَى طَاعَتِهِمْ . وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ هُوَ " الْأَصْلُ الثَّانِي " مِنْ أَصْلَيْ الْإِسْلَامِ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ مُتَابَعَتُهُ وَأَنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَالدِّينَ مَا شَرَعَهُ فَهُوَ كَافِرٌ : مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يُجَوِّزُ الْخُرُوجَ عَنْ دِينِهِ وَشِرْعَتِهِ وَطَاعَتِهِ ؛ إمَّا عُمُومًا وَإِمَّا خُصُوصًا . وَيُجَوِّزُ إعَانَةَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ عَلَى إفْسَادِ دِينِهِ وَشِرْعَتِهِ . وَيَحْتَجُّونَ بِمَا يَفْتَرُونَهُ : أَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ قَاتَلُوهُ . وَأَنَّهُمْ قَالُوا : نَحْنُ مَعَ اللَّهِ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ كُنَّا مَعَهُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْقَدَرَ وَ " الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ " دُونَ الْأَمْرِ وَ " الْحَقِيقَةَ الدِّينِيَّةَ " وَيَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا مَنْ يَنْصُرُ الْكُفَّارَ وَالْفُجَّارَ وَيَخْفِرُهُمْ بِقَلْبِهِ وَهِمَّتِهِ وَتَوَجُّهِهِ مِنْ ذَوِي

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٣٢٠