قوله تعالى : ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ في موضع رفع بالإبتداء . وخبره ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ﴾ . و «درجةً» نصب على البيان؛ أي من الذين افتخروا بالسّقي والعمارة . وليس للكافرين درجة عند الله حتى يُقال : المؤمن أعظم درجة . والمراد أنهم قدّروا لأنفسهم الدرجة بالعمارة والسّقي؛ فخاطبهم على ما قدّروه في أنفسهم وإن كان التقدير خطأ؛ كقوله تعالى : ﴿ أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ﴾ [ الفرقان : 24 ] . وقيل : «أعظم درجة» من كل ذي درجة؛ أي لهم المزية والمرتبة العلية . ﴿ وأولئك هُمُ الفائزون ﴾ بذلك .
قوله تعالى : ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم ﴾ أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم . والنعيم : لين العيش ورغده . ﴿ خَالِدِينَ ﴾ نصب على الحال . والخلود الإقامة . ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ أي أعدّ لهم في دار كرامته ذلك الثواب .
---------------
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (1):
وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين , وما ينتظرهم من رحمة ورضوان , ومن نعيم مقيم وأجر عظيم:
(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله , وأولئك هم الفائزون . يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم , خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم) . .
وأفعل التفضيل هنا في قوله: (أعظم درجة عند الله) ليس على وجهه , فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل , إنما هو التفضيل المطلق . فالآخرون (حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم .
-------------------
وفي التفسير الوسيط (2):
وقوله . ﴿ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله . . ﴾ . استئناف لبيان مراتب فضلهم زيادة فى الرد ، وتكميلا له .
أى : ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ بالله - تعالى - إيماناً حقاً ، ﴿ وَهَاجَرُواْ ﴾ من دار الكفر إلى دار الإِيمان فراراً بدينهم ، ﴿ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ لإِعلاء كلمة الله ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ هؤلاء الذين توفرت فيهم هذه الصفات الجليلة ﴿ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله ﴾ أى : أعلى مقاماً وأشرف منزلة فى حكم الله وتقديره من أهل سقاية الحاج . وعمارة المسجد ﴿ الحرام ﴾ ومن كل من لم يتصف بهذه الصفات الأربعة الكريمة وهى : الايمان ، والهجرة ، والجهاد بالمال ، والجهاد بالنفس .
قال الفخر الرازى : فان قيل : لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين . كما جاء فى بعض روايات أسباب النزول . فكيف قال فى وصفهم اعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة .
قلنا . الجواب عنه من وجوه . الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله ، ونظيره قوله . سبحانه ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ الثانى : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفاً بهذه الصفات ، تنبيهاً على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات ، فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى .
الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على الساقية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال . ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير . وإنما بطل ثوابها فى حق الكفار بسبب كفرهم .
وقوله : ﴿ وأولئك هُمُ الفائزون ﴾ أى : وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، هم الفائزون ، بثواب الله الأعظم ، وبرضائه الأسمى الذى لا يصل إليه سواهم ممن لم يفعل فعلهم .
ثم فصل - سبحانه - هذا الفوز فقال : ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .
أى يبشرهم ربهم على لسان نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فى الدنيا وعلى لسان الملائكة عند الموت ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ﴾ أى : برحمة واسعة منه - سبحانه - وبرضائه التام عنهم ، وبجنات عالية لهم فيها نعيم عظيم لا يزول ولا يبيد .
﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ أى : ماكثين فى تلك الجنات مكثاً أبدياً .
﴿ إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يقادر قدره لهؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموارهم وأنفسهم .
قال الآلوسى : ذكر أبو حيان أنه - تعالى - لما وصف المؤمنين بثلاث صفات الإِيمان والهجرة ، والجهد بالنفس والمال ، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث : الرحمة والرضوان ، والجنة .
وبدأ - سبحانه - بالرحمة فى مقابلة الإِيمان لتوقفها عليه ، ولأنها أعم النعم وأسبقها كما أن الإِيمان هو السابق .
وثنى - سبحانه - بالرضوان الذى هو نهاية الإِحسان فى مقابلة الجهاد الذى هو بذل الأنفس والأموال .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 228)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1909)