وفي التفسير الوسيط (1):
هذه الآيات الكريمة التى ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال ، وضحت أن المؤمنين فى العهد النبوى أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم .
أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى .
وأما القسم الثانى : فهم الأنصار من أهل المدينة .
والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا .
والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .
وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثانى بقوله : ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا ﴾ .
أى : ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ ﴾ بالله - تعالى - حق الإِيمان ﴿ وَهَاجَرُواْ ﴾ أى تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا . من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دبن الله فى الأرض ﴿ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أى : أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء الله - تعالى - ، قد بالغوا فى إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا فى سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما فى سبيل مرضاة الله ونصرة دينه .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من ال مؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة . بأعظم الصفات وأكرمها .
فقد وصفهم بالإِيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرار بدينهم من الفتن ، وبالمجاهد بالمال والنفس فى سبيل إعلاء كلمة الله .
وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو الإِيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد .
ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .
وقوله ﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾ متعلق بقوله ﴿ وَجَاهَدُواْ ﴾ لإِبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه - .
وقوله : ﴿ والذين آوَواْ ونصروا ﴾ بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أانفسهم ، ونصروهم على أعدائهم .
فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين .
أولهما : الإِيواء الذى يتضمن التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو المجلأ والمأمن مما يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - ﴿ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف . . . ﴾ وقوله - تعالى - ﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ . . . ﴾ ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان اهلها مثالا للكرم والإِيثار . .
ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم المهاجرين واحدا فقال : ﴿ أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ .
فاسم الإِشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الانصار .
وقوله : ﴿ أَوْلِيَآءُ ﴾ جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب . .
والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التى تتناول التناصر والتعاون والتوارث . .
أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا فى النصرة والمعاونة والتوارث . . . وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة .
قال الالوسى ما ملخصه : " روى عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمهرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة . . وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله . . . ﴾ " .
وقال الأصم : الآية محكمة ، والمرد الولاية بالنصرة والمظاهرة .
والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك . .
وقوله - تعالى - : ﴿ والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ . . . ﴾ بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى . .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1877)