تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20 - د - وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُكَلَّفِ مُخَلِّصٌ مِنْ الْأَذَى إلَّا بِالتَّقِيَّةِ , وَهَذَا الْمُخَلِّصُ قَدْ يَكُونُ الْهَرَبُ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ , وَقَدْ يَكُونُ التَّوْرِيَةُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلَاقِ , وَعَدَمِ الدَّهْشَةِ وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ , وَقَدْ تَكُونُ الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ . فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ الْهِجْرَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُوَالَاةُ الْكُفَّارِ وَتَرْكُ إظْهَارِ دِينِهِ لقوله تعالى : { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * قَالَ الْأَلُوسِيُّ : اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ فِي إظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ إدْخَالِهِمْ الْخَلَلَ فِيهِ وَعَنْ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِ الدِّينِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ , وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَارِهِينَ . فَلَمْ تَقْبَلْ الْمَلَائِكَةُ عُذْرَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ , فَاسْتَحَقُّوا عَذَابَ جَهَنَّمَ لِتَرْكِهِمْ الْفَرِيضَةَ الْمَحْتُومَةَ . وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَقْهُورًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهِجْرَةِ حَقِيقَةً لِضَعْفِهِ أَوْ لِصِغَرِ سِنِّهِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً بِحَيْثُ يَخْشَى التَّلَفَ لَوْ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْإِقَامَةِ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ . وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى الْآيَتَانِ التَّالِيَتَانِ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ وَهُمَا { إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَقَالَ الْأَلُوسِيُّ أَيْضًا " كُلُّ مُؤْمِنٍ وَقَعَ فِي مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ الْمُخَالِفِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إلَى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ , وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَصْلًا أَنْ يَبْقَى هُنَاكَ وَيُخْفِيَ دِينَهُ وَيَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعَافِ , فَإِنَّ أَرْضَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ . نَعَمْ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعُمْيَانِ وَالْمَحْبُوسِينَ وَاَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمْ الْمُخَالِفُونَ بِالْقَتْلِ أَوْ قَتْلِ الْأَوْلَادِ أَوْ الْآبَاءِ أَوْ الْأُمَّهَاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقَاعُ مَا خُوِّفُوا بِهِ غَالِبًا , سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْقَتْلُ بِضَرْبِ الْعُنُقِ أَوْ حَبْسِ الْقُوتِ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْمُكْثُ مَعَ الْمُخَالِفِ , وَالْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ بِدِينِهِ . وَإِنْ كَانَ التَّخْوِيفُ بِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا كَالْحَبْسِ مَعَ الْقُوتِ , وَالضَّرْبِ الْقَلِيلِ غَيْرِ الْمُهْلِكِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَافَقَتُهُمْ .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٢٠١