والذي ذكره عِكرمة هو ضَمْرة بن العِيص أو العِيص بن ضمرة بن زِنْبَاع؛ حكاه الطبريّ عن سعيد بن جبير . ويُقال فيه : ضُمَيرة أيضاً . ويُقال : جُنْدَع بن ضَمْرة من بني ليث ، وكان من المستضعَفين بمكة وكان مريضاً ، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال : أخرجوني؛ فهيء له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتّنْعيم ، فأنزل الله فيه ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً ﴾ الآية . وذكر أبو عمر أنه قد قِيل فيه : خالد بن حِزَام بن خُوَيْلد ابن أخي خديجة ، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة؛ فنزلت فيه الآية ، والله أعلم . وحكى أبو الفرج الجَوْزِيّ أنه حبيب بن ضمرة . وقيل : ضمرة بن جُنْدب الضمريّ؛ عن السدّيّ . وحكي عن عِكرمة أنه جندب بن ضمرة الجُنْدَعِيّ . وحكي عن ابن جابر أنه ضمرة بن بغِيض الذي من بني ليث . وحكى المهَدوِيّ أنه ضمرة بن ضمرة بن نُعيم . وقيل : ضمرة بن خُزَاعة ، والله أعلم . وروى معمر عن قتادة قال : لما نزلت ﴿ إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية ، قال رجل من المسلمين وهو مريض : واللَّهِ ما لي من عذرٍ ا إني لدليل في الطريق ، وإني لموسِر ، فاحملوني . فحملوه فأدركه الموت في الطريق؛ فقال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم : لو بلغ إلينا لتَمّ أجره؛ وقد مات بالتنعيم . وجاء بنوه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقِصة ، فنزلت هذه الآية ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً ﴾ الآية . وكان اسمه ضَمْرة بن جُنْدب ، ويُقال : جندب بن ضمرة على ما تقدّم . ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً ﴾ لما كان منه من الشرك . ﴿ رَّحِيماً ﴾ حين قَبِل توبته .
الخامسة قال ابن العربي : قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين : هرباً وطلباً؛ فالأوّل ينقسم إلى ستة أقسام الأول الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وكانت فرضاً في أيام النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث كان؛ فإن بقي في دار الحرب عصي؛ ويُخْتَلف في حاله . الثاني الخروج من أرض البدعة؛ قال ابن القاسم : سمعت مالكاً يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسَبّ فيها السلف . قال ابن العربي : وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم تقدِر أن تغيّره فَزُل عنه ، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ [ الأنعام : 68 ] إلى قوله ﴿ الظالمين ﴾ [ الأنعام : 68 ] . الثالث الخروج من أرض غلب عليها الحرام : فإنّ طلب الحلال فرض على كل مسلم . الرابع الفرار من الأذية في البدن؛ وذلك فضل من الله أرخص فيه ، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور .