تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السادسة عشرة : قوله تعالى : ﴿ فالذين هَاجَرُواْ ﴾ إبتداء وخبر ، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة . ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ في طاعة الله عزّ وجلّ . ﴿ وَقَاتَلُواْ ﴾ أي وقاتلوا أعدائي . ﴿ وَقُتِلُواْ ﴾ أي في سبيلي . وقرأ ابن كثير وابن عامر : «وقاتلوا وقُتِّلوا» على التكثير . وقرأ الأعمش «وقتِلوا وقاتلوا» لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأوّل . وقيل : في الكلام إضمار قد ، أي قتِلوا وقد قاتلوا؛ ومنه قول الشاعر :

تَصَابَى وَأمْسَى عَلاَهُ الكِبَرْ ... أي وقد علاه الكبر . وقيل : أي وقد قاتل من بَقِيَ منهم؛ تقول العرب : قتلنا بني تميم ، وإنما قتل بعضهم . وقال امرؤ القيس :

فَإنْ تَقْتُلُونَا نُقَتِّلْكُمُ ... وقرأ عمر بن عبد العزيز : «وَقَتَلُوا وقُتِلُوا» خفيفة بغير ألف . ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ أي لأسترنّها عليهم في الآخرة ، فلا أوبِّخهم بها ولا أُعاقبهم عليها . ﴿ ثَوَاباً مِّن عِندِ الله ﴾ مصدر مؤكد عند البصريين؛ لأن معنى ﴿ لأدخِلنهم جناتٍ تجرِي مِن تحتها الأنهار ﴾ لأثيبنّهم ثواباً . الكسائي : انتصب على القطع . الفرّاء : على التفسير . ﴿ والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب ﴾ أي حسن الجزاء ، وهو ما يرجِع على العامِل من جراء عمله؛ من ثاب يثوب .

--------------

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (1):

يقول تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر : وداعٍ دعا: يَا مَن يجيب إلى النّدى ... فَلم يَسْتجبْه عنْد ذاك مجيب (1) ...

قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة، رجل من آل أم سلمة، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نَسْمَع اللهَ ذَكَر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله [عز وجل] (2) ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قَدمت علينا.

وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عُيَيْنة، ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (3) .

وقد روى ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن أم سَلَمة قالت: آخر آية أنزلت هذه الآية: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ إلى آخرها. رواه ابن مَرْدُويَه.

ومعنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا -مما تقدم ذكره-فاستجاب لهم ربهم -عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة:186] .

(1) البيت في تفسير الطبري (7/488) وهو لكعب بن سعد الغنوي.

(2) زيادة من أ.

(3) سنن سعيد بن منصور برقم (552) والمستدرك (2/300) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (1/144) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (7/488) ولم يذكر قوله: "وقالت الأنصار إلى آخره" من طريق سفيان بنحوه.

وقوله: ﴿ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا (1) لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سَواء ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، ﴿ وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ﴾ أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ [الممتحنة:1] . وقال تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج:8] .

وقوله: ﴿ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟": فأعاد عليه (2) ما قال، فقال: "نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا".

ولهذا قال تعالى: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر.

__________

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 190)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ١٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ١٢٥