فهذه الآثار صحيحة صححها أهل العلم, وقول الصحابي في ما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وخاصة قول عبد الله بن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن, وهو قول مؤيد بظاهر أدلة القرآن الكريم.
وقد رجح بعض العلماء أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يراد به الإنزالان:
النزول الأول: جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، كما جاءت الأدلة التي توضح ذلك.
والنزول الثاني: ابتداء نزوله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أيضاً قول صحيح كما روى الإمام أحمد في المسند من حديث وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ).
وَهَذَا كُلّه مُطَابِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون لَيْلَة الْقَدْر فِي تِلْكَ السَّنَة كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة, فَأُنْزِلَ فِيهَا جُمْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا, ثُمَّ أُنْزِلَ فِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرِينَ إِلَى الأَرْض أَوَّل قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
المطلب الثاني: نزول القرآن منجماً على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -:
وهذا النوع من النزول قد تضافرت عليه الأدلة الكثيرة في القرآن والسنة من خلال أدلة تثبت نزول القرآن عليه، وأخرى تثبت تنجيم النزول، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ , وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ , وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ , وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
ومن الأدلة التي تثبت تنجيم نزول القرآن عليه قوله تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ , قال ابن كثير وقوله ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ﴾ أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا , ثم نزل مفرقاً منجماً على الوقائع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث وعشرين سنة.
وعن ابن عباس أنه قرأ "فرَّقناه" بالتشديد, أي أنزلناه آية آية، مبيَّناً، ومفسراً.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
كما أن الأدلة الكثيرة المتضافرة في السنة النبوية التي توضح كيفية نزول جبريل بالقرآن الكريم لآياته وسوره تقطع الشك في نزوله منجماً على قلبه , وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعه من جبريل بأذنيه , ووعاه بقلبه , وبلغه للناس كما سمعه.
الحكمة من نزول القرآن منجماً على النبي - صلى الله عليه وسلم -:
لنزول القرآن الكريم منجماً على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - في بضع وعشرين سنة حكم كثيرة منها ما نص عليه القرآن الكريم أو السنة النبوية , ومنها ما استنبطه العلماء، وما زال المجال واسعاً أمام الباحثين لاستنباط المزيد من الحكم , وإليك الحديث عن بعضها:
1 ـ تثبيت فؤاد النبي - صلى الله عليه وسلم -:
هذه الحكمة قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.