عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: «لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَلَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ» رواه أبو داود الطيالسي (1)
33 - خصماء الله يوم القيامة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ "رواه البخاري (2)
(1) - مسند أبي داود الطيالسي (4/ 312) (2709) حسن
والمعنى -والله أعلم-: أن الله جل، وعلا يخبرنا: أن عباده لو أطاعوه ليسقينهم المطر بالليل، فينتفع بها الزرع، والبهائم، والآدميون، فلا يحصل له عطلة في نهارهم لمعاشهم، بل يصبح كل يزاول عمله، ولا تشل حركة القوافل في البراري، والقفار وحركة المشي، والسعي في المدن، والقرى؛ تسهيلًا للعباد، ورأفة بهم، وليطلعن الشمس على العباد في النهار؛ لتجف الأراضي التي أصابتها المياه، والطرق التي يسلكها العباد، وتذهب المكروبات التي تدنومن الثمر، والشجر، وتلصق بها، ولَمَا سمع عباده صوت الرعد؛ خوفًا من أن يصيبهم رعب، أوأذى من صوته. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (ص: 155)
(2) - صحيح البخاري (3/ 83) (2227)
[ش (أعطى بي) عاهد باسمي وحلف. (غدر) نقض العهد ولم يف به أو لم يبر بقسمه. (باع حرا) وهو يعلم أنه حر. (فاستوفى منه) العمل الذي استأجره من أجله]
المعنى: أن الله سبحانه يخبرنا أن ثلاثة من العباد يكون خصمهم يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من الآثام الفظيعة، والظلم المتناهي؛ الأول: رجل، وعبد من عباده أعطى به ثم غدر؛ أي: أعطى يمينه به؛ أي: عاهد عهدًا، وحلف بالله على ذلك، ثم نقضه. ولا شك أن الغدر من أكبر الصفات المذمومة، والمفاسد العظيمة، وليس من أخلاق المؤمن الغدر، بل الوفاء بالعهد، وإمضاؤه؛ لأن في نقضه إخلالًا بنظام الحياة العامة، والقوانين الدستورية، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته نفسه، وغيره، وإضرارًا بمن عاهده، ثم نقض عهده، فلذلك جاء في القرآن الحكيم الحث على إمضاء العهود، والوفاء بها، والتزامها، وعدم نقضها أيا كانت، ولو مع قوم غير مسلمين؛ بشرط أن لا يُخلُّوا بشروطها بالإتيان بما ينافيها مما يضر بصالح المعاهد، ويضعفه، ويحل عزائمه، ويقوى أعداءه عليه. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل:91] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:34]
وما أصعب هذا التشهير بالغادر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة! حيث العالم كله مجتمع، ويرون حالته، وما هو عليه من التشنيع، والخزي، والتوبيخ، والتعذيب. ولا ريب أن هذه الحالة، هي أفظع حالة يراها الخلق؛ لأن الغدر أكبر جريمة ترتكب، وصاحبه مهان، ذليل، حقير، تستنفر منه الطباع الحساسة، وتستقبحه العقول السليمة الراقية.
وأصبح في عصرنا الحاضر الغدر منتشرًا، فلا تخلوا عائلة منه، فإن قيِّم العائلة يعطي زوجته، وأولاده، أو أخته، أو أحد أقاربه العهود، والمواثيق، والأيمان الغليظة أنه سيعطي فلانًا كذا، وفلانة كذا، ويكتب لفلان كذا، ويحيى فلانا كذا، ثم يصبح ثاني الأيام، أو بعد أيام، أو أشهر، وينقض العهد، ويعبث بالأيمان، والمواثيق، ولا يعبأ بما هدده الشارع به، وأمره بالنزاهة، والوفاء به، وكذا تجد الغدر في القرى، والأرياف، سواء كانت قريبة إلى المدن العامرة منتشراً، وكذلك في المدن الكبيرة، والصغيرة، وكلما ارتقت أهل المدينة في المدنية، والترفه، والتأنق الحديث كلما ازداد الغدر، وتنوع، واختير له أساليب جديدة مموهة، وآلات اصطناعية مشوهة، حتى صار عادةً بألفها الكبراء، والعظماء، والقواد، والرؤساء، والملوك، والوزراء، فأمسى الإنسان ولا يثق بشخص مطلقًا، وضاعت الذمم، والشخصيات، وأصبح الوفاء بالعهود والأيمان في احتضار، وقريباً سيُشيَّع. الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية ومعه النفحات السلفية بشرح الأحاديث القدسية (ص: 122)
دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الحر وكونه من الكبائر، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. ثانياًًً: أن من الكبائر الجرأة على الأيمان الباطلة، ونقض العهود، وأكل أجرة الأجير، لأنه استخدمه بغير عوض، وأكل حقه بالباطل، وهو من أقبح المظالم وأشدها. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 294)