فجاء قوله تعالى : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » ؟ قاضيا على هذا التردد ، قاطعا كل شك .. فلا ينبغى بعد هذا أن يكون المؤمنون على رأيين فى المنافقين ، وإنما هو رأى واحد لا خلاف عليه .. وهو أن هؤلاء المنافقين ، منافقون ،قولا واحدا ، وأن على المسلمين جميعا أن يعاملوهم معاملة المشركين والكافرين ، وأن يحذروهم حذر المنافقين والمشركين ..
وقوله تعالى : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » هو استفهام إنكارى ، أن يكون المسلمون فريقين فى أمر المنافقين ، فريقا يحذرهم ويتخذهم عدوا ، وفريقا آخر يقف منهم موقف التردد والترقب ، تمحيصا لما فى قلوبهم ، واختبارا لما فى صدورهم .. وذلك ما ينكره اللّه سبحانه على هذا الفريق ، الذي وقف من هؤلاء المنافقين هذا الموقف المتردد ..
وقوله تعالى : « وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا » هو توكيد قاطع لما حكم اللّه به هو على هؤلاء المنافقين ، وأنهم أهل ضلال وفساد ، لا يرجى لهم صلاح أبدا .. فقد أقامهم اللّه على هذا النفاق ، ودمغهم به ، بسبب ما كان منهم من مكر بآيات اللّه ، والتواء على صراطه المستقيم ، وتلاعب بشرعه القويم! وقوله تعالى : « أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ » استفهام إنكارى أيضا ، على تلك الفئة من المسلمين التي لا تزال تحت تأثير هذا الخداع الذي يلوح لهم من قبل المنافقين ، ويتوقعون من جهتهم الخير والصلاح .. وكلا ، فقد أضلّهم اللّه .. فهل فى الناس من هو قادر على أن يهدى من أضله اللّه ؟ « وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ».. فإنه لا سبيل له غير هذا السبيل الذي سلكه ، سبيل النفاق ، الذي سيمضى فيه إلى غايته ، التي تنتهى به إلى جهنم وبئس المهاد.
ويعيش المنافق فى صحبة شعور مزعج ، وهو أنه يحمل جريمة ، يحاول إخفاءها عن الناس ، ولكن عيون الناس تتبعه حيث كان ، تبحث عن هذا الشيء الذي يخفيه ، ويبالغ هو فى ألا يراه أحد .. هكذا هو أبدا مع هذا الشعور المتسلط عليه ..وقد يكون الناس فى غفلة عنه ، وفى غير التفات إليه ، ولا مراقبة له ، ومع هذا فإن الجريمة التي يحملها معه ، لا تدع له سبيلا إلى الاطمئنان والهدوء ، بل تراه دائما على حذر ، يرصد الناس ، ويسترق النظر إليهم ، بل يكاد يسألهم :عمّ يبحثون ؟ وماذا يريدون ؟ وما هى الجريمة ؟ ومن المجرم ؟ .. وفيه يصدق المثل الذي يقول : « يكاد المريب يقول : خذونى » !
إن المنافق أشبه بمجرم فى قفص الاتهام .. والمجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يحاكمه ، ويحاصره ، ويأخذ عليه كل سبيل للإفلات من تلك النظرات المتهمة له ، الفاضحة لجرمه.
ومن هنا يقوم فى كيان المنافق شعور آخر ، يواجه به شعور الخوف والقلق الذي يستولى عليه ، من إحساسه بمراقبة الناس له ، واطلاعهم على خبيئة أمره ، وفضحهم لخفىّ نفاقه ـ هذا الشعور الآخر ، هو الرغبة فى أن يرى الناس جميعا من حوله ، صورة منه .. فلا يلقون أنظارهم إليه ، ولا يلتفت هو إليهم ،