2-حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله الله :
قال تعالى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة/193 ]
ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به، سفك دماء الكفار، وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن ﴿ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ تعالى، فيظهر دين الله تعالى، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل ولا قتال، ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ عن قتالكم عند المسجد الحرام ﴿ فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ أي: فليس عليهم منكم اعتداء، إلا من ظلم منهم، فإنه يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه. (1)
وقال المراغي : " (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي وقاتلوهم حتى لا تكون لهم قوّة يفتنونكم بها فى دينكم ، ويؤذونكم في سبيله ، ويمنعونكم من إظهاره والدعوة إليه. وجملة وقاتلوا الأولى بينت بدء القتال ، وقاتلوهم إلخ بينت الغاية منه ، وهى ألا يوجد شىء من الفتنة في الدين.(وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) أي ويكون دين كل شخص خالصا للّه لا أثر لخشية غيره فيه ، فلا يفتن بصده عنه ولا يؤذى فيه ، ولا يحتاج فيه إلى مداهنة ومحاباة ، أو استخفاء ومداراة.
وقد كان المسلمون في ابتداء الإسلام مغلوبين على أمرهم ، والمشركون في ضلالتهم هم أصحاب الحول ، وكانت مكة قرارة الشرك ، والكعبة مستودع الأصنام ، فأبى اللّه إلا أن يتمّ نوره ، فمكّن للمؤمنين في الأرض ، ففتحوا مكة وحطّموا تلك الأصنام ، وكسروا اللات والعزّى « وتمّت كلمة ربّك صدقا وعدلا لا مبدّل لكلماته » .
(فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فإن انتهوا عما كانوا عليه وأسلموا ، فلا تعتدوا عليهم ، لأن العقوبة والعدوان إنما تكون على الظالمين تأديبا لهم ، ليرجعوا عن ظلمهم وغيهم. (2)
-----------------
وقال تعالى :﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) ﴾ [الأنفال/39، 40]
(1) - تفسير السعدي - (1 / 89)
(2) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (2 / 90)