تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يحاول أن يستر فعلته عنهم ، إذ كانوا جميعا على شاكلته ..فإن المجرم بين المجرمين ، لا يستحى أن يكشف عن جرائمه ، بل وربما بالغ فيها ، ليرى أصحابه منه أنه عريق فى الإجرام ، يستأهل مكان الصدارة فى المجرمين! ومن هنا كان المنافقون يسعون دائما إلى إفساد المؤمنين وإغوائهم ، وتزيين النفاق لهم ، وتحبيب الكفر إليهم ، ليكونوا معهم فى هذا البلاء ، وليقتسموا المحنة التي يعيشون بين المجتمع فيها! وفى قوله تعالى : « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً » ـ ما يكشف عن هذا الشعور الذي يحرك المنافقين إلى إفساد المؤمنين ، ليؤنسوا وحشتهم ، وليفكوا قيدهم الذي يمسك بهم فى محيط محدود لا يتجاوزونه! حتى إذا امتلأت الأرض نفاقا ، كان لهم أن يسرحوا ويمرحوا كيف يشاءون ، وأن يظهروا ما ستره النفاق منهم ، من كفر وإلحاد .. ولهذا جاء التعبير القرآنى : « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا » بديلا مما يقضى به الظاهر وهو : « ودوا لو تنافقون كما نافقوا » ، لأن النفاق يستر وراءه الكفر .. فجاء التعبير القرآنى فاضحا هذا الكفر المستتر وراء النفاق ..

وقوله تعالى : « فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » هو تحذير من اللّه للمؤمنين أن يوالوا هؤلاء المنافقين ، وأن يأمنوا جانبهم ، ماداموا فى موقفهم الذي اتخذوه من المؤمنين .. فإن تحوّلوا عن هذا الموقف ، وانحازوا إلى جماعة المؤمنين ، وخالطوهم ، وأخذوا مأخذهم فى الحياة ، واستقاموا على طريقهم ، وهاجروا وجاهدوا فى سبيل اللّه ـ إن هم فعلوا ذلك كان لهم ما للمؤمنين ، وعليهم ما عليهم ، وكان على المؤمنين ضمّهم إليهم ، وجمعهم معهم .. فإن أبوا إلا أن يظلوا فى هذا الموقع المنحرف بين المؤمنين والكافرين ، وجب على المؤمنين أن يعاملوهم معاملة العدوّ الراصد .. إذا وقعوا لأيديهم فى معركة كان جزاؤهم القتل ، وإن لم تصل إليهم يد المؤمنين بالقتل ، كان على المؤمنين أن يتجنبوهم ، وأن يحذروهم ، فلا يقبلوا منهم قولا ، ولو جاء فى صورة النصح ، ولا يستنصروا بهم فى حرب ، ولو أحاط بهم العدوّ ..

وقوله تعالى « إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ » هو استثناء من تلك المقاطعة التي أوجبها الإسلام على المسلمين فى مواجهة المنافقين ..فإنه إذا انحاز هؤلاء المنافقون إلى جماعة ـ غير مؤمنة ـ بينها وبين المؤمنين ميثاق ، بالموادعة والمسالمة ـ لم يكن للمؤمنين أن يمدّوا أيديهم بأذى إلى هؤلاء المنافقين ، لأنهم صاروا فى ذمة تلك الجماعة التي وادعها المسلمون وسالموها! وفى العدوان عليهم عدوان على تلك الجماعة ، ونقض للميثاق الذي عقده المسلمون معهم ، ووجب عليهم الوفاء به! وقوله تعالى : « أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ » هو عطف على المستثنى السابق .. يبيّن حكم جماعة أخرى من المنافقين جاءوا إلى المسلمين يطلبون الموادعة والمسالمة ، وهم مقيمون حيث هم فى قومهم الذين لم يدخلوا فى الإسلام .. فهؤلاء المنافقون ، قد كفّوا أيديهم عن المسلمين طلبوا الأمان

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل الله · الصفحة ٤٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في فضائل الجهاد في سبيل اللهص ٤٦٧