قوله تعالى : « وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ». . إشارة إلى نفاد قدرة اللّه ، وأنها بالغة الغاية التي قدّرها اللّه لها فى هذا المقام ، وهى نصر المؤمنين ، وإعزازهم ، وخذلان المشركين والضالين ، وخزيهم ..فعاقبة الأمور ، هى ثمراتها الطيبة ، إذ كانت الأمور كلها تجرى بأمر اللّه ، وتتحرك بمشيئته .. فإذا بلغت غايتها كانت خيرا ، وكانت كمالا ، وحسنا ..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (128 : الأعراف) وقوله سبحانه : « وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى » (132 : طه)." (1)
وفي التفسير الواضح : " إن اللّه يدافع عن الذين آمنوا ، ويدفع عنهم شر أعدائهم ، وينصرهم ، ويؤيدهم على عدوهم ، وإن اللّه لا يحب كل خوان للعهد ، كفور بالنعم ، يذكر غير اللّه ، ويتقرب بذبيحته لصنم أو وثن ، وكان المشركون المعاصرون للنبي - صلى الله عليه وسلم - تنطبق عليهم تلك الأوصاف.
كان المشركون يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام بألسنتهم وأيديهم إيذاء شديدا حتى شكا الصحابة لرسول اللّه ذلك ، فكان يقول لهم : « اصبروا فإنّى لم أومر بالقتال »
وظل الحال ينتقل من شدة إلى شدة ، حتى هاجر المسلمون إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة ، وهاجر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كذلك ، فأنزل اللّه - سبحانه - بالمدينة آيات القتال ، وكانت أول آية نزلت : قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وهي مقررة أيضا لمضمون قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ، فإذا إباحة القتال لهم ، وكونهم يصمدون في الحرب ضد الكفار ، بل ويهزمونهم دفاع من اللّه عنهم ، ونصر مؤزر لهم!.
أذن للذين يقاتلون ، أى : أذن لهم من اللّه في قتال من يقاتلهم ويعتدى عليهم ، وسبق له أن أخرجهم من ديارهم وأموالهم ، وسامهم سوء العذاب. وذلك بسبب أنهم ظلموا في كل ما لحقهم من الكفار ، وإن اللّه على نصر المؤمنين لقدير ، ينصرهم بغير حرب ولا تعب ، ولكن يريد اللّه من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته ، وليمحص اللّه الذين آمنوا ، ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ، ولكن ليبلو بعضكم ببعض.
ثم وصف هؤلاء المؤمنون بقوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أى مكة بغير حق يقتضى الإخراج. لكن لقولهم : ربنا اللّه ، وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سورة البروج آية 8].
أيها الناس : لا تعجبوا من إذن اللّه لأوليائه بالقتال ، ووعدهم بالنصر على أعدائهم وحثهم على القتال ، فلو لا ما شرعه اللّه للأنبياء والمؤمنين من قتال أعداء اللّه وأعدائهم قديما وحديثا لاستولى أهل الشرك
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (9 / 1043)