وقوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » هو توكيد ، بعد توكيد لهذا الوعد الذي وعده اللّه المؤمنين بالنصر ، إذا هم نصروا اللّه ، ودافعوا عن دين اللّه ..وليس وعد اللّه فى حاجة إلى توكيد ، عند المؤمنين باللّه ، ولكنه مبالغة فى تطمين القلوب ، وتثبيت الأقدام ، فى تلك الساعات التي تزيغ فيها الأبصار ، وتضطرب النفوس ، حين تلتقى جماعة المؤمنين ، فى أعدادها القليلة ، بحشود المشركين ، فى جحافلها الجرارة! قوله تعالى : « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ».
يمكن أن يكون الاسم الموصول : « الَّذِينَ » بدلا من الاسم الموصول فى قوله تعالى : « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » كما يمكن أن يكون بدلا من الاسم الموصول « الَّذِينَ » فى قوله تعالى : « الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ »..
وعلى أىّ فإن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، هم الذين وعدوا بالنصر فى قوله تعالى : « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ »..فالذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، وهم المهاجرون ـ هم الذين وعدوا بالنصر ، لأنهم نصروا اللّه ، فخرجوا من ديارهم وأموالهم ، مهاجرين بدينهم الذي هو كل حظهم من هذه الدنيا ، والذي باعوا من أجله أنفسهم وأموالهم وديارهم وأوطانهم ..
وقوله تعالى : « الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ » ـ هو عرض للصورة الكريمة التي سيكون عليها هؤلاء المؤمنون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ، وذلك حين ينصرهم اللّه ، ويمكّن لهم فى الأرض ، وتكون لهم القوة والغلب ..
إنهم ـ مع ما ملكت أيديهم من قوة ، وما مكّن اللّه سبحانه وتعالى لهم فى الأرض من سلطان ـ لن يكونوا على شاكلة هؤلاء الضالّين الذين كانت إلى أيديهم القوة والسلطان ، فتسلطوا على عباد اللّه ، ورهقوهم ، وأخذوهم بالبأساء والضراء ، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق ..
إن هؤلاء المؤمنين ، حين يمكّن اللّه لهم فى الأرض ، سيكونون مصابيح هدى ، وينابيع رحمة ، للإنسانية كلها ، بما يقيمون فيها من موازين الحق ، والعدل ، وما يغرسون فى آفاقها من مغارس الخير والإحسان .. إنهم يقيمون الصلاة ، ليستمدوا منها أمداد الهدى من اللّه .. ويؤتون الزكاة ، فيكشفون بها الضرّ عن عباد اللّه .. ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. فيصلحون بهذا من سلوك الناس ، ويقيمون لهم طرقهم مستقيمة ، فلا تتصادم منازعهم ، ولا تفسد مشاربهم ..وقد صدق اللّه وعده ، ومكن سبحانه وتعالى للمؤمنين فى الأرض ، فكانوا أعلام هدى ، وآيات رحمة ، وموازين عدل وإحسان بين الناس .. وكانوا كما وصفهم سبحانه بقوله : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ » (110 : آل عمران).