الذين يقاتلون ، وأذن لهم فى قتال مقاتليهم ـ هم أولئك المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم ظلما وعدوانا « بِغَيْرِ حَقٍّ ».. فإنهم لم يجنوا على أحد ، ولم يكرهوا أحدا على أمر ، وإنما كل جنايتهم ـ إن كانت هناك جناية ـ هى إيمانهم باللّه ، وقولهم ربنا اللّه الواحد ، الذي لا شريك له .. فهل فى هذا عدوان على أحد ، أو ضرر يعود على أحد ؟ . ولكنّ أهل الضلال والبغي ينظرون بعيون مريضة ، ويحكمون على الأمور بعقول فاسدة ، فيرون النور ظلاما ، والخير شرا ، والإحسان إساءة .. ـ وقوله تعالى : « وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ».
. هو إشارة إلى هذا الصدام الذي يقوم بين أهل الشر والضلال ، وأهل الخير والإيمان ، وأنه لو لا أهل الخير والإيمان ، ووقوفهم فى وجه الضالين والباغين ـ لما قام للّه دين على هذه الأرض ، ولغلب الشر الضلال ، ولأنى على كل صالحة فى هذه الدنيا ، ولخربت بيوت العبادة التي أقامها المؤمنون لعبادة اللّه من « صَوامِعُ » وهى بيوت عبادة الرهبان من النصارى ، « وَبِيَعٌ » وهى بيوت عبادة النصارى عامة ، « وَصَلَواتٌ » وهى بيوت عبادة اليهود ، « وَمَساجِدُ » وهى بيوت عبادة المسلمين ..
ومن أجل هذا ، فقد أقام اللّه سبحانه وتعالى ، فى كل ملة ، وفى كل أمّة ، جماعة مؤمنة ، تقيم شرع اللّه ، وتحيى شعائره ، وتعمر بيوته ، وتحتمل فى سبيل هذا ما تحتمل من بلاء ، فى دفع الظالمين ، وردع الباغين ..
فهذا الصّدام القائم بين الهدى والضلال ، وبين المهتدين والضّالّين ، هو سنّة من سنن اللّه ، التي أقام حياة الناس عليها ، والتي كان من ثمارها أن قامت بيوت اللّه ، وعمرت بالمؤمنين الذاكرين اللّه كثيرا فيها ..
وفى هذا دعوة المؤمنين ـ فى صدر الدعوة الإسلامية خاصة ـ أن يكونوا جند اللّه فى هذه الأرض ، والحماة المدافعين عن دينه ، والمقيمين مساجده ، والمعمّرين ساحاتها بذكر اللّه فيها ..
وفى هذا أيضا إشارة إلى أنه سيكون للمسلمين مساجد ، وأن هذه المساجد ستعمر بالمصلين والذاكرين اللّه كثيرا فيها .. وهو وعد كريم من ربّ كريم ، لجماعة المؤمنين يومئذ .. وقد تحقق هذا الوعد ـ وكان لا بد أن يتحقق ـ فملأت المساجد آفاق الأرض ، وامتلأت بالمصلين ، واهتزت جنباتها بالذاكرين.
قوله تعالى : « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ » هو وعد منه سبحانه وتعالى بالنصر للمؤمنين ، الذين نصروا اللّه ، وجاهدوا فى سبيله .. إنهم نصروا اللّه إذ نصروا دينه ، فكان حقّا على اللّه أن ينصرهم ، كما يقول سبحانه : َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ »(47 : الروم).