﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (١)
(خ م د حم)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) (٢) فَـ (إِذَا أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا) (٣) (سَأَلَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟ "، فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: " هَلْ لَهُ وَفَاءٌ؟ "، فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، " صَلَّى عَلَيْهِ "، وَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ - عز وجل - عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٤) (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٥)﴾ (٦) فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا، فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا (٧) فَلْيَأتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ ") (٨)
وفي رواية: (فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ") (٩)
(١) [الأحزاب/٦]
(٢) (د) ٣٣٤٣
(٣) (عب) ١٥٢٦٠، (م) ١٤ - (١٦١٩)، (حم) ٨٩٣٧
(٤) (حم) ٧٨٨٦، (خ) ٢١٧٥، (م) ١٤ - (١٦١٩)، (ت) ١٠٧٠، (س) ١٩٦٣، (د) ٣٣٤٣، (جة) ٢٤١٥
(٥) أَيْ: أَحَقّ بِهِمْ، وَأَقْرَب إِلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوْلَوِيَّة: النُّصْرَة وَالتَّوْلِيَة، أَيْ: أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورهمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ، وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا. عون المعبود - (ج ٦ / ص ٤٣٢)
قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٢١): هَذِهِ الْآيَةُ أَزَالَ اللهُ تَعَالَى بِهَا أَحْكَامًا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، مِنْهَا: " أَنَّهُ - ﷺ - كان لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ " أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ.
وَفِيهِمَا أَيْضًا: " فَأَيُّكُمْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَأَنَا مَوْلَاهُ ".
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَانْقَلَبَتِ الْآنَ الْحَالُ بِالذُّنُوبِ، فَإِنْ تَرَكُوا مَالًا، ضُويِقَ الْعَصَبَةُ فِيهِ، وَإِنْ تَرَكُوا ضَيَاعًا، أُسْلِمُوا إِلَيْهِ.
فَهَذَا تَفْسِيرُ الْوَلَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِتَفْسِيرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَنْبِيهِهِ، (وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ).
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ: هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّجَاةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: " أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا تَقَحُّمَ الْفَرَاشِ ".
قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَتَفْسِيرِهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحُجْزَةُ لِلسَّرَاوِيلِ، وَالْمَعْقِدُ لِلْإِزَارِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إِمْسَاكَ مَنْ يَخَافُ سُقُوطَهَ، أَخَذَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ، وَهَذَا مَثَلٌ لِاجْتِهَادِ نَبِيِّنَا - ﷺ - فِي نَجَاتِنَا، وَحِرْصِهِ عَلَى تَخَلُّصِنَا مِنَ الْهَلَكَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فَهُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَلِجَهْلِنَا بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَغَلَبَةِ شَهَوَاتِنَا عَلَيْنَا، وَظَفَرِ عَدُوِّنَا اللعين بنا، صِرْنَا أَحْقَرَ مِنَ الْفَرَاشِ، وَأَذَلَّ مِنَ الْفَرَاشِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!.
وَقِيلَ: " أَوْلَى بِهِمْ " أَيْ: أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ، وَدَعَتِ النَّفْسُ إِلَى غَيْرِهِ، كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْلَى.
وَقِيلَ: " أَوْلَى بِهِمْ " أَيْ: هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، مِمَّا يُخَالِفُ حُكْمَهُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ الْفُقَرَاءِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: " فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ". أ. هـ
(٦) [الأحزاب/٦]
(٧) الضَّيَاع: اِسْم لِكُلِّ مَا هُوَ يُفْتَرَض أَنْ يُضَيَّع إِنْ لَمْ يُتَعَهَّد، كَالذُّرِّيَّةِ الصِّغَار، وَالْأَطْفَال، وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِكَلِّ أَنْفُسِهِمْ، وَسَائِرِ مَنْ يَدْخُل فِي مَعْنَاهُمْ. عون المعبود - (ج ٦ / ص ٤٣٢)
وَسُمِّيَتِ الْأَرْضُ ضَيْعَةً، لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ، وَتُجْمَعُ ضِيَاعًا بِكَسْرِ الضَّادِ. القرطبي (١٤/ ١٢١)
(٨) (خ) ٢٢٦٩، (م) ١٥ - (١٦١٩)، (د) ٢٩٥٤، (جة) ٢٤١٦، (حم) ٨٣٩٩
(٩) (خ) ٦٣٥٠، (م) ١٤ - (١٦١٩)، (ت) ١٠٧٠، (س) ١٩٦٣، (جة) ٢٤١٥، (حم) ١٤١٩٢، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ١٨١٣