(خ م)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا (١) إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (٢) (وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟) (٣) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ) (٤) (إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) ") (٦)
الشرح (٧)
(١) أَيْ: لَمْ يَخْلِطُوا، تَقُول: لَبَسْتُ الْأَمْرَ بِالتَّخْفِيفِ، أَلْبَسَهُ بِالْفَتْحِ فِي الْمَاضِي وَالْكَسْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَيْ: خَلَطْتَه.
وَتَقُول: لَبِسْتُ الثَّوْب أَلْبِسُهُ بِالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي، وَالْفَتْح فِي الْمُسْتَقْبَل.
وَقَالَ مُحَمَّد بْنُ إِسْمَاعِيل التَّيْمِيُّ فِي شَرْحه: خَلْطُ الْإِيمَان بِالشِّرْكِ لَا يُتَصَوَّر فَالْمُرَاد أَنَّهُمْ لَمْ تَحْصُل لَهُمْ الصِّفَتَانِ: كُفْر مُتَأَخِّر عَنْ إِيمَان مُتَقَدِّم.
أَيْ: لَمْ يَرْتَدُّوا.
وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنهمَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَيْ: لَمْ يُنَافِقُوا، وَهَذَا أَوْجَه. (فتح - ح٣٢)
(٢) (خ) ٤٤٩٨
(٣) (خ) ٣٢٤٥
(٤) (خ) ٦٥٣٨
(٥) سورة لقمان آية: ١٣.
(٦) (خ) ٣٢٤٦، (م) ١٩٧ - (١٢٤)، (ت) ٣٠٦٧، (حم) ٣٥٨٩
(٧) قال الحافظ في الفتح ح٣٢: الصَّحَابَةُ فَهِمُوا مِنْ قَوْله ﴿بِظُلْمٍ﴾ عُمُومَ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْم، وَهُوَ الشِّرْك، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلظُّلْمِ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَة.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَانَ الشِّرْكُ عِنْد الصَّحَابَةِ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يُلَقَّبَ بِالظُّلْمِ، فَحَمَلُوا الظُّلْمَ فِي الْآيَة عَلَى مَا عَدَاهُ- يَعْنِي مِنْ الْمَعَاصِي- فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.
وَفِي الْمَتْن مِنْ الْفَوَائِد: الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ، حَتَّى يَرِدَ دَلِيلُ الْخُصُوص.
وَأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامّ، وَالْمُبَيَّنُ عَنْ الْمُجْمَل، وَأَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِمَصْلَحَةِ دَفْع التَّعَارُضِ،
وَأَنَّ دَرَجَاتِ الظُّلْم تَتَفَاوَت، وَأَنَّ الْمَعَاصِي لَا تُسَمَّى شِرْكًا، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا فَلَهُ الْأَمْن، وَهُوَ مُهْتَدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْعَاصِي قَدْ يُعَذَّب، فَمَا هُوَ الْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ؟، فَالْجَوَاب أَنَّهُ آمِنٌ مِنْ التَّخْلِيدِ فِي النَّار، مُهْتَدٍ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّة. وَالله أَعْلَم. أ. هـ
قلت: وفي الحديث دليل على أن أولى تفسير لكتاب الله إنما هو بكتاب الله. ع