تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(خ م)، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدٍ (١) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى" (٢)

الشرح (٣)

(١) الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيّ: هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاع لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اِخْتُصَّتْ بِهِ وَ(الرِّحَال): جَمْع رَحْلٍ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، وَكَنَّى بِشَدِّ اَلرِّحَالِ عَنْ السَّفَرِ، لِأَنَّهُ لَازِمُهُ، وَخَرَجَ ذِكْرُهَا مَخْرَجَ اَلْغَالِبِ فِي رُكُوبِ اَلْمُسَافِرِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُكُوبِ الرَّوَاحِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْمَشْيِ فِي الْمَعْنَى اَلْمَذْكُورِ. فتح الباري (ج ٤ / ص ١٩٠)

(٢) (خ) ١١٣٢، (م) ١٣٩٧

(٣) سُمِّيَ اَلْأَقْصَى لِبُعْدِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَام فِي الْمَسَافَةِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سُمِّيَ اَلْأَقْصَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَرَاءَهُ مَسْجِد.

وَقِيلَ: هُوَ أَقْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسْجِدِ اَلْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَبَيْتُ اَلْمَقْدِسِ أَبْعَدُ مِنْهُ.

وَلِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ عِدَّةُ أَسْمَاء، تَقْرُبُ مِنْ اَلْعِشْرِينَ، مِنْهَا: إِيلِيَاء، وَبَيْت اَلْمَقْدِسِ، وَالْقُدْسِ، وَشَلَّم، وَسَلِم، وَأُورِي سَلِم.

وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ اَلْمَسَاجِدِ وَمَزِيَّتهَا عَلَى غَيْرِهَا، لِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّ اَلْأَوَّلَ: قِبْلَةُ اَلنَّاسِ، وَإِلَيْهِ حَجُّهُمْ، وَالثَّانِي: كَانَ قِبْلَةَ اَلْأُمَمِ اَلسَّالِفَةِ، وَالثَّالِث: أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوَى.

وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ اَلرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا، كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ اَلصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَإِلَى اَلْمَوَاضِعِ اَلْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ اَلتَّبَرُّك بِهَا، وَالصَّلَاة فِيهَا، فَقَالَ اَلشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد اَلْجُوَيْنِيّ: يَحْرُمُ شَدُّ اَلرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا، عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا اَلْحَدِيثِ، وَأَشَارَ اَلْقَاضِي حُسَيْن إِلَى اِخْتِيَارِهِ، وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَة، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ اَلسُّنَنِ مِنْ إِنْكَار أَبِي بَصْرَةَ اَلْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة خُرُوجَهُ إِلَى اَلطُّورِ وَقَالَ لَهُ: " لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتَ "، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ اَلْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ، وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَة.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ اَلْمُرَادَ حُكْمُ اَلْمَسَاجِدِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا تُشَدُّ اَلرِّحَال إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ اَلْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ غَيْر هَذِهِ اَلثَّلَاثَةِ؛ وَأَمَّا قَصْدُ غَيْرِ اَلْمَسَاجِدِ لِزِيَارَةِ صَالِحٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ صَاحِبٍ، أَوْ طَلَب عِلْمٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ نُزْهَةٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.

قَالَ اَلسُّبْكِيّ اَلْكَبِير: لَيْسَ فِي اَلْأَرْضِ بُقْعَةٌ لَهَا فَضْلٌ لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ اَلرِّحَاُل إِلَيْهَا غَيْرَ اَلْبِلَادِ اَلثَّلَاثَةِ، وَمُرَادِي بِالْفَضْلِ: مَا شَهِدَ اَلشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ اَلْبِلَادِ، فَلَا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتهَا، بَلْ لِزِيَارَةٍ، أَوْ جِهَادٍ أَوْ عِلْمٍ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ مِنْ اَلْمَنْدُوبَاتِ أَوْ اَلْمُبَاحَات، قَالَ: وَقَدْ اِلْتَبَسَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَزَعَمَ أَنَّ شَدَّ اَلرِّحَالِ إِلَى اَلزِّيَارَةِ لِمَنْ فِي غَيْرِ اَلثَّلَاثَةِ دَاخِلٌ فِي اَلْمَنْعِ، وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ اَلِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ اَلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَمَعْنَى اَلْحَدِيثِ: لَا تُشَدُّ اَلرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ اَلْمَسَاجِدِ

أَوْ إِلَى مَكَانٍ مِنْ اَلْأَمْكِنَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ اَلْمَكَانِ، إِلَّا إِلَى اَلثَّلَاثَةِ اَلْمَذْكُورَةِ، وَشَدُّ اَلرِّحَالِ إِلَى زِيَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ لَيْسَ إِلَى اَلْمَكَانِ، بَلْ إِلَى مَنْ فِي ذَلِكَ اَلْمَكَانِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ إِتْيَانَ أَحَدِ هَذِهِ اَلْمَسَاجِد لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ وَالْبُوَيْطِيُّ.

وَقَالَ اِبْن اَلْمُنْذِر: يَجِبُ إِلَى اَلْحَرَمَيْنِ، وَأَمَّا اَلْأَقْصَى فَلَا، وَاسْتَأنَسَ بِحَدِيثِ جَابِر " أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا ". فتح الباري (ج ٤ / ص ١٩٠)

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد · الجزء ١٧ · الصفحة ١٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامع الصحيح للسنن والمسانيدج ١٧ · ص ١٥