(د حم)، وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: (كُنْتُ عَبْدًا بِمِصْرَ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ، فَأَعْتَقَتْنِي، فَمَا خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِجَازَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الْعِرَاقَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنْهَا وَبِهَا عِلْمٌ إِلَّا حَوَيْتُ عَلَيْهِ فِيمَا أُرَى، ثُمَّ أَتَيْتُ الشَّامَ فَغَرْبَلْتُهَا، كُلُّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنْ النَّفَلِ، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي فِيهِ بِشَيْءٍ، حَتَّى لَقِيتُ شَيْخًا يُقَالُ لَهُ: زِيَادُ بْنُ جَارِيَةَ التَّمِيمِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ فِي النَّفَلِ شَيْئًا؟، قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ: " شَهِدْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ) (١) (بَعْدَ الْخُمُسِ فِي بَدْأَتِهِ، وَنَفَّلَ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي رَجْعَتِهِ") (٢)
الشرح (٣)
(١) (د) ٢٧٥٠، (ك) ٢٥٩٨، (هق) ١٢٥٧٩
(٢) (حم) ١٧٥٠٠، (د) ٢٧٤٩، (جة) ٢٨٥٣، (ش) ٣٦٨٦٧، (حب) ٤٨٣٥، انظر الصَّحِيحَة: ٢٤٥٥، ٢٤٥٦، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.
(٣) قَالَ الْخَطَّابِيُّ رِوَايَةً عَنْ اِبْن الْمُنْذِر: أَنَّهُ - ﷺ - إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْن الْبَدْأَة وَالْقُفُول، حِين فَضَّلَ أَحَد الْعَطِيَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، لِقُوَّةِ الظَّهْر عِنْد دُخُولهمْ، وَضَعْفه عِنْد خُرُوجهمْ.
وَلِأَنَّهُمْ وَهُمْ دَاخِلُونَ أَنْشَط وَأَشْهَى لِلسَّيْرِ وَالْإِمْعَان فِي بِلَاد الْعَدُوّ وَأَجَمّ، وَهُمْ عِنْد الْقُفُول يَضْعُف دَوَابّهمْ وَأَبْدَانهمْ، وَهُمْ أَشْهَى لِلرُّجُوعِ إِلَى أَوْطَانهمْ وَأَهَالِيهمْ لِطُولِ عَهْدهمْ بِهِمْ، وَحُبّهمْ لِلرُّجُوعِ، فَيَرَى أَنَّهُ زَادَهُمْ فِي الْقُفُول لِهَذِهِ الْعِلَل. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَلَام اِبْن الْمُنْذِر هَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، لِأَنَّ فَحْوَاهُ يُوهِم أَنَّ الرَّجْعَة هِيَ الْقُفُول إِلَى أَوْطَانهمْ، وَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى الْحَدِيث، وَالْبَدْأَة: إِنَّمَا هِيَ اِبْتِدَاء السَّفَر لِلْغَزْوِ، وَإِذَا نَهَضَتْ سَرِيَّة مِنْ جُمْلَة الْعَسْكَر، فَإِذَا وَقَعَتْ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْعَدُوّ، فَمَا غَنِمُوا كَانَ لَهُمْ فِيهِ الرُّبْع، وَتُشْرِكهُمْ سَائِر الْعَسْكَر فِي ثَلَاثَة أَرْبَاعه، فَإِنْ قَفَلُوا مِنْ الْغَزْوَة ثُمَّ رَجَعُوا، فَأَوْقَعُوا بِالْعَدُوِّ ثَانِيَة، كَانَ لَهُمْ مِمَّا غَنِمُوا الثُّلُث، لِأَنَّ نُهُوضهمْ بَعْد الْقَفْل أَشَدّ، لِكَوْنِ الْعَدُوّ عَلَى حَذَر وَحَزْم، اِنْتَهَى.
قَالَ فِي السُّبُل: وَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ الْأَقْرَب.
وَقَالَ اِبْن الْأَثِير: أَرَادَ بِالْبَدْأَةِ: اِبْتِدَاءَ الْغَزْو، وَبِالرَّجْعَةِ: الْقُفُول مِنْهُ، وَالْمَعْنَى كَانَ إِذَا نَهَضَتْ سَرِيَّة مِنْ جُمْلَة الْعَسْكَر الْمُقْبِل عَلَى الْعَدُوّ، فَأَوْقَعَتْ بِهِمْ، نَفَّلَهَا الرُّبْعَ مِمَّا غَنِمَتْ، وَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ عِنْد عَوْد الْعَسْكَر، نَفَّلَهَا الثُّلُث، لِأَنَّ الْكَرَّة الثَّانِيَة أَشَقّ عَلَيْهِمْ، وَالْخَطَر فِيهَا أَعْظَم، وَذَلِكَ لِقُوَّةِ الظَّهْر عِنْد دُخُولهمْ، وَضَعْفه عِنْد خُرُوجهمْ، وَهُمْ فِي الْأَوَّل أَنْشَط وَأَشْهَى لِلسَّيْرِ وَالْإِمْعَان فِي بِلَاد الْعَدُوّ، وَهُمْ عِنْد الْقُفُول أَضْعَف وَأَفْتَر، وَأَشْهَى لِلرُّجُوعِ إِلَى أَوْطَانهمْ، فَزَادَهُمْ لِذَلِكَ. عون المعبود - (ج ٦ / ص ١٩٣)