ولسنا الآن بصدد الرد على افتراءات المفترين فيما يدعون، لأن قضية كون رئيس الدولة الإسلامية وهو خليفة المسلمين رئيساً سياسياً وكون الحاكم في الإسلام رجلاً من الأمة يخطئ ويصيب، وليست له قداسة القديسين ولا طاعة البابويين، قضية ثابتة مقطوع بها لا تقبل جدلاً، ولا تكون موضع نقاش لأن كل من له إلمام بسيط بأحكام الإسلام يعرف ذلك، وإنما نحن بصدد الكلام على اصطلاح (رجال الدين) الذي شاع في الغرب وجاء به الجهال إلى ديارنا تقليداً للغربيين، وشجعه الكافر المستعمر دسّاً وخبثاً، بقصد إبعاد العلماء عن الاشتغال في السياسة وشؤون الحكم ومراقبة الحكام، مع أن هذه من أحكام الإسلام، لا يمكن فصلها عنه بأي حال من الأحوال، وأن صلة العلم الشرعي بالحكم وثيقة، إذ وجوده قائم على تطبيق أحكام هذا العلم وصلة العالم بالحاكم وثيقة أيضاً لا يمكن فصلهما. فالحاكم يطبق الشرع ويرعاه بالتنفيذ وهذه سياسته والعالم يرعى الشرع بالتوضيح والبيان ويحاسب الحاكم على أساسه وهذه سياسته، فالعالم العامل له القدح المعلى في توجيه سياسة الحاكم ومراقبة تصرفاته، أما إن كان العالم سلبياً غير إيجابي، يتوقف عن بيان حكم الشرع في تصرفات الحاكم ويكتم ذلك ويتباعد عن خوض معترك الحياة فلا يبالي إن أعراض الحاكم في شرع الله ولا ينبس ببنت شفة إن أساء آخر أو أخذ (ثالث) الأمة بالشدة والجبروت والظلم الفظيع، فمثل هذه الأحوال لا يرتضيها الإسلام لعلمائه وحملة شريعته وبالتالي عليه الإثم العظيم.
فالخلافة كما قال عنها فقهاؤنا رئاسة عامة في أمور الدنيا أي لإقامة الحياة على نهج الإسلام. والخليفة يحرس الدين بتنفيذ أحكامه ورعاية المسلمين على أساسه ويستمد سلطانه من مبايعة الأمة له، وإنابتهم إياه على كتاب الله وسنة رسوله فإن خرج عن مقتضى هذه النيابة خرج عن مقتضى الخلافة وكان حقاً على الأمة عزله
فليس في الخلافة ما يخيف ولكن أعداء الإسلام صوروها على غير حقيقتها للتنفير عنها أولاً، وعن الإسلام ثانياً، مع أن من البديهي أن المسلمين لن يحيوا حياة كريمة تليق بمكانتهم وتحفظ كرامتهم، بل لن يكون إسلام الأمة موجوداً وجوداً حقيقياً إلا إذا استظلتهم راية خلافة الإسلام، وكان عليهم خليفة.
وقد تبين من هذا أن العلماء سياسيون والحكام سياسيون، كل في مجال عمله ونوعية واجبه، الذي فرضه الله تعالى عليه، وأن مفهوم رجل الدين صفة لا تنطبق على واقع العالم المسلم وأن الخليفة أو حاكم المسلمين ليس بابا ولا قديساً.