والبابا من اختصاصه تفسير الكتاب المقدس، وله صلاحية وضع حد للتفكير فيه والاستنباط منه كما حدث في (التكيفات الاسكولانية) في الفائدة (الربا) التي قام بها (توماس من) ومن جاء بعده من رجال الكنيسة، وليس لخليفة المسلمين هذا وإنما له أن يستنبط الأحكام الشرعية لمعالجة المشاكل الواقعة وحل المشاكل القائمة، على أن يكون ممن تتوفر فيه شروط الاجتهاد، وله وحده أن يتبنى الأحكام الشرعية الاجتهادية لجعلها قانوناً ينفذ، والخليفة يُرد إذا أصدر أمراً فيه مخالفة لنص شرعي، وليس على الأمة طاعته في هذه المخالفة، لأن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (1) وقوله: "لا طاعة لمن عصى الله" (2).
وقد رد خليفة المسلمين وصحح فهمه ومن ذلك أن امرأة ردت سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة تحديد المهر، وتلت عليه الآية الكريمة: "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً" (3). وقوله: "قنطاراً" يدل على إباحة التوسع في المهور فكيف يضع عمر حداً له؟. هذا ما ردت به الامرأة، أما سيدنا عمر فإنه أجابها بقوله: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" (4).
تلك فروق جوهرية بين منصب الخلافة والكرسي البابوي والتاريخ في طياته يحفظ مكانة الخليفة وأعماله وخضوعه لحكم الشرع وتسليمه لأمر الإسلام، كما يعرف البابا وقداسته .. وطاعته في كل أمر ... ولكن العداء للإسلام والصليبية الحاقدة لأمة المسلمين، ولكن نهم وجشع الكافر المستعمر وكيده ومكره، استطاع أن يصور الحق الموجود بصورة الباطل المعدوم وبشعوذته المشهورة قدر أن يقلب الحقائق بكل ما أوتي من قوة، وأن يثبت الفرية العظمى وأن يدخلها في أذهان المضبوعين بثقافته ويجعلها عندهم كقضايا مُسلم بها ولا تقبل المناقشة، حتى وصل الحال بهؤلاء المضبوعين أن ينفروا من اسم الخليفة وتحمر وجوههم حنقاً من ذكر منصب الخلافة.
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ: " لا طاعة لمخلوق في معصية الله " وقال شعيب الأرنؤوط: " إسناده صحيح على شرط الشيخين ".
(2) أخرجه ابن ماجة في سننه، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه وقال: " وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين ". وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
(3) آية 20 النساء.
(4) تفسير ابن كثير 2/ 213 عزاه للزبير بن بكار وفيه انقطاع، وأخرجه أبو حاتم في مسنده والبيهقي في السنن وقال: " مرسل جيد ". أهـ