وقد فعل سَيِّدنا عمر بن الخطَّاب حينما مرَّ بطريقه إلى الشام على قوم مجذومين أن فرض لهم شيئاً من المال، وقد سار على هذا الخلفاء والولاة فخصص الوليد بن عبد الملك (1) أعطيات للمجذومين وبنى ابن طولان في موضع بمسجده في مصر ميضأة وخزانة شراب بها الأدوية والأشربة كما عين طبيباً يعالج المرضى (2).
«فالتطبيب واجب على الدَّوْلَة من ناحية كونه شأناً من الشؤون الواجب رعايتها ومن ناحية إنّ عدم توفير الطبيب ضرر على الناس، فكان من هاتين الناحيتين فرضاً على الدَّوْلَة» (3).
وفوق هذا فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أهدي إليه طبيباً فجعله للمسلمين، فكون الرسول جاءت الهدية له ولم يتصرف بها ولم يأخذها، بل جعلها للمسلمين دليل على أن هذه الهدية مما هو لعامة المسلمين وليست له.
فهذه الأمور الثلاث: الأمن والتعليم والتطبيب من الأمور الأَسَاسيَّة لجميع الناس الواجب على الدَّوْلَة توفيها لهم، وهي واجب للفقير والغني سواء لأنها حاجة أساسية عامة للناس لما دلّ عليه من تعليم أولاد المسلمين في بدر وأنه كان عام يشمل الفقير والغني.
غير أنه وإن كان يجب على الدَّوْلَة توفيرها للناس، فلا يمنع أحد أن يوفرها لنفسه كأن يقيم حارساً له ولبيته أو يعلم أولاده عند معلم أو يتداوى عند طبيب بأجرة لما روى عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن الأجرة على التعليم من قوله: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» (4) ومن قوله في التطبيب عن أنس بن مالك قَالَ: «دعا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - غلاماً فحجمه فأمر له بصاع أو صاعين» (5) وكانت الحجامة في ذلك الوقت من الأدوية التي يتطبب بها مما يدل على جواز أن يوفر لنفسه التطبيب.
هذا هو الضمان لإشباع جميع الحاجات الأَسَاسيَّة، وبهذا تكون السِّيَاسِيَّة الاقتصادية في الإسلام قد تحققت بهذه الأحكام تحققاً كليّاً، «فإن إيجاد أعمال للقادرين، وضمان نفقة الفقراء
(1) الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي بُويع له يوم مات والده سنة (86 هـ) كثرت في أيّامه الفتوحات في إسبانيا وخورسان وبلاد الترك والهند، تُوفي سنة (96 هـ).
(2) البدري، عبد العزيز: الإسلام ضامن للحاجات الأَسَاسيَّة لكل فرد ويعمل لرفاهيته، ص (30 - 31)
(3) المالكي، عبد الرحمن: السِّيَاسِيَّة الاقتصادية المثلى، ص (180).
(4) رواه ابن ماجة في سُنَنه، (1/ 156).
(5) رواه البُخَارِيّ في صَحِيْحه، باب: من كلّمّ موالي العبد أن يخففوا عنه من خراجه، (2/ 797) واللفظ له، ومسلم بلفظ بصاعٍ أو مُد، (3/ 1205)، ومُسْنَد أبي عوانه، (3/ 358)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (9/ 337).