تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بالنسبة للعمل والإنتاج، فالأرض كلها وعلى اتساع أطرافها ميدان رحب غني بوسائل الكسب وكل ما فيها مسخّر للإنسان ومطوع ومذلل له وأما الثروات والموارد الطبيعية فإن كل إنتاج من طيباتها لا يقوم ولا يستمر إلا على تزواج بين العمل وبين هذه الثروات والموارد، فعلى تلك الموارد يقوم كل عمل ومن كنوزها يتم كل إنتاج وما على الإنسان والحالة هذه إلا أن يحَزْم أمره فارض الله واسعة وخيراتها كثيرة وثرواتها وفية ومواردها غنيّة فما عليه إلا يعمل عقله وفكره وقلبه ومداركه ويحسن جهده وتدبيره لاستخراج ثرواتها وإنتاج طيباتها والإفادة منها.

وعليه فالمشكلة الاقتصادية ليست في قلّة الموارد الطبيعية وثرواتها، وإنما المشكلة كما يقرر القرآن، هي مشكلة الإنسان ذاته في عمله وإنتاجه، قَالَ الله تعالى: ﴿وَءَاتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (1)، فظلم الإنسان للإنسان في الحياة العمليّة، وكفره بنعمة الله بإهمالها وعدم تقدير أهميتها وشكر المنعم عليها، هما السببان الرئيسان للمشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان، ويتجسد ظلم الإنسان لنفسه وغيره على الصعيد الاقتصادي في اقتناص المغانم، وفي سوء توزيع الثروة في المجتمع وفي الحرمان المنتشر فيه، وفي فقدان الخلق الكريم الذي يعتبر سر النجاح في كل تعامل كما يتجسد كفرانه للنعمة في إهماله خيرات الأرض واستثماره لكنوزها وثرواتها وموقفه السلبي منها» (2).

وعليه، فإن توزيع الثروة في المجتمع كما أجملنا في هذا المبحث وفصلنا في ثنايا البحث على ضوء قواعد الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة-بحسب عمل الفرد وبحسب حاجته يضمن توزيعاً عادلاً، ويحقق رفاهاً يغني الفرد عن كل ضرورة وحاجة ويغدو الفرد حينئذ أكثر إخلاصا لعمله، ووفاء لمجتمعه.

ويكفي في هذا المجال أن نذكر بالنقد الذي وجهه اللورد «مارينارد كينز» إلى نظم الاقتصاد المعاصرة، لندرك مدى الخلل الكبير في ميزان توزيع الثروة في عالمنا المعاصر، ولندرك بالتالي قيمة القواعد الإسْلاميَّة في حل المشكلات الاقتصادية في توزيع الثروة وغيرها. فقد قرر اللورد «ماينارد كينز» عام 1938م في كتابه المشهور «النظرية العامة» ما يلي:

«إن أهم الأخطاء البارزة في اقتصادنا المعاصر اثنان وهما:

أولاً: الفشل في تحقيق العمالة الكاملة (أي ضمان العمل لكل قادر).

(1) إبراهيم / 34.

(2) الصدر، محمد باقر: اقتصادنا ص (307 - 309).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٣٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٣٣٧