تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكثر لجهده، وذلك أيضاً معنى قول الخليفة الراشد على بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة له: «واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقيمة كل امرئ ما يحسن» (1).

يُضاف إلى ذلك أن «قاعدة الجزاء بحسب العمل» هو ما تشهد له نصوص الشَّرِيعَة فقد قَالَ الله تعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (2)، فهذه قاعدة عامة في القرآن، تجعل منزلة الفرد بحسب عمله ودرجته كما تجعل أقدار العاملين أيضاً مما عملوا، أي من جنس ما عملوا، وهذا التقدير العادل في مقاييس الإسلام، له ما بعده من جزاء وافٍ على عمل كل عامل كما هو واضح في قوله تعالى: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ فيكون تقدير الدرجات بجنس العمل هنا هو لتوفيه العاملين أجر أعمالهم، وهو تقدير ليس فيه مكان لحيف أو جور لأنه تقدير مصون بأمر الله عز وجل، وقد زاد عزّ وجلّ هذا العدل تقديراً بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهو تقدير بعيد المدى، لنفي كل ظلم وتأكد كل عدل.

وبذلك ندرك أن تقرير هذا المبدأ العام، الذي يربط درجة التقدير بحسب العمل، إنما هو تقرير قرآني، لا شيء فيه من اختراع القول، ولا تحكم الفهم، فهو بذلك أصل جليل ومعيار دقيق، لكل تقويم.

وأما التقويم أيضاً بحسب حاجته: فهو صريح قول عمر رضي الله عنه في الشطر الثاني من كلامه «والرَّجُل وحاجته في الإسلام» وحاجات الفرد هنا كثيرة، وقد يفي بها عائد عمله، وقد يقتصر عنها عائد علمه وهي بطبيعتها حاجات متنوعة، فحاجاته الأَسَاسيَّة أربع، حيث لا بدّ له من:

طعام يصونه من الجوع، وشراب يصونه من الظمأ، وكساء يصونه من العري، ومسكن يصونه من ضحى الشمس وبرد الجو.

وقد كانت هذه الحاجات مكفولة لآدم في حياته الأولى في الجنة ولكنه أنذر بأنه إذا رضخ لإبليس في إيحاءاته وإغراءاته وعصى ربه، فسوف يخرج من الجنة، وعليه حينئذ أن يشقى بالعمل في تحصيل حاجاته كلها، وذلك كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (3) - إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (4)﴾ (5).

(1) المحمصاني، أحمد بن عمر: مختصر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البَرِّ، ص (105 - 106).

(2) الأحقاف / 19.

(3) المراد بقوله ﴿فَتَشْقَى﴾: التعب في طلب الرزق وتحصيله. انظر الزخمشري: الكشّاف عن حقائق التنزيل (2/ 556).

(4) المراد بقوله ﴿وَلَا تَضْحَى﴾: التصون من حرّ الشمس لأن الضَّحى (بفتح الضاد وتشديدها) هو التعرض لحرّها. انظر: الأصفهاني: الراغب، غريب القرآن ن ص (293).

(5) طه / 117.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٣٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٣٣٥