الفرد في تقويم عمله وحاجته معاً، فلا هي تقوّم حاجة الفرد وتهمل عمله ولا تقوّم عمل الفرد وتهمل حاجته، بل هي تقوّم عمل الفرد وحاجته معاً في آن واحد، لتحقق العدل كاملاً في جميع أطرافه.
وهذا التقويم الذي نشير إليه، ليس وليد استنباط وابتكار، بل هو صريح في قول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حين كان يقدر أعطيات الناس والجند من بيت المال، وفقاً لجهدهم وبلائهم، ووفقاً لحاجاتهم معاً، فقد كان رضي الله عنه يقول: «الرَّجُل وبلاؤه في الإسلام والرَّجُل وحاجته في الإسلام» ومعنى قوله: الرَّجُل وبلاؤه في الإسلام، يعني الرَّجُل وعمله في الإسلام، فقد ورد في حديث سعد يوم بدر: «عسى أن يعطي هذا من لا يُبلى بلائي» أي لا يعمل مثل عملي في الحرب، كأنه يريد أفعل فعلاً أختبر فيه ويظهر به خيري من شري (1) والابتلاء في الأصل هو الاختبار والامتحان (2) وسياق قول عمر رضي الله عنه يوضح لنا كثيراً من جوانب هذا التقويم، العادل، فقد قَالَ رضي الله عنه:
«والله الذي لا إله هو، ما أحد إلا وله حق في المال، أعطيه أو أمنعه، وما أحد أحق به من أحد، إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، وكلنا على منازلنا من كتاب الله عزّ وجلّ وقسمنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالرَّجُل وبلاؤه في الإسلام، والرَّجُل وغناؤه في الإسلام، والرَّجُل وحاجته في الإسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه، قبل أن يحمر وجهه (يعني في طلبه) (3).
ولا يُقَال هنا بخصوصية القاعدة في تقدير جهد الفرد وحاجته معاً في هذا العطاء، وعدم شمول عدالتها، لأن مفاهيم العدل لا تتجزأ، وليس في هذا التقويم المبني على «تقدير العمل والحاجة» انتقاص من حق أحد، بل فيه توفيق لحق كل أحد، بحسب جهده، وإبلائه في عمله، وإخلاصه فيه، وإتقانه له، وفيه أيضاً توفية لحقه في حاجته وعليه فيكون التقويم في هذا الشأن «من كل بحسب جهده، ولكل بحسب عمله وحاجته معاً» ولذا، فإن تقويم عمل الفرد، وتقويم حاجته، ليس بالأمر الذي نمر به سريعاً في هذا المجال، فلكل تقويم منهما في هذا المجال بحث وتفصيل. فأما تقويم جهد الفرد بحسب عمله: فهو كما ذكرنا- صريح قول الخليفة الراشد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: «الرَّجُل وبلاؤه في الإسلام» وهذا يقتضي أنه كلما أبلى الفرد بلاء حسناً في عمله، كلما وجد تقويماً
(1) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، 1/ 156.
(2) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، ص (155).
(3) الطنطاوي، علي: أخبار عمر، ص (105 - 106). وانظر أبو يوسف: الخراج، ص (55).