تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«وأما الرَّشْوَة والسحت فيجتمعان ويفترقان، يجتمعان حينما يكون العمل محرماً من الجانبين الراشي والمرتشي، وهو سحت في المرتشي يأكله سحتاً وينفرد السحت حينما يكون العمل محرماً من جانب واحد وهو جانب الأخذ فقط فيأكله، فيأكل ما أخذه سحتاً» (1).

ويشهد لهذا ما رواه البَيْهَقِيّ (2) عن مسروق، قَالَ: سألت ابن مسعود عن السحتِ أهو رشوة في الحكم قَالَ: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (3) والظالمون والفاسقون، ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدى لك فتقبله فذلك السحت» (4).

ومأخذ النُّصُوص على الرَّشْوَة في الأدلة النقلية عند العلماء في مواضع منها:

1. قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (5).

فالنص هنا على وضوحه عام في النهي عن أكل الأموال بالباطل بأي صفة وهذا النص أقرب موضوعية إلى الرَّشْوَة لارتباط الرَّشْوَة بالرشاء في معنى الإدلاء والإدلاء إرسال الدلو إلى ماء البئر ولا يكون إلا بالحبل وحبل الدلو يُسمى رشاء، فالرشاء والرَّشْوَة من مادة واحدة والمدلي هو الراشي والمدلى إليه هو المرتشي وما في الدلو هو الرَّشْوَة.

وقد خصص هذا النّص الرَّشْوَة في الحكام مع أنها ليست قاصرة عليهم ولكنها منهم أعظم وأخطر وأشد فتكاً لأنهم ميزان العَدالَة، فإذا فسد الميزان اختل الاتزان، وإذا خان الوازن ضاع التوازن، ومن ثمّ ينتشر الفساد. قَالَ القرطبي في الآية: «قيل: المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم، ليقضوا لكم على أكثر منها، وقَالَ ابن عطية، وهذا القول يترجح، لأن الحكام فطنة الرشاء غلا من عصم، وأيضاً فإن اللفظين متناسبان: تدلوا: من إرسال الدّلو، والرَّشْوَة ... من الرشاء، كأنه يمُد بها ليقضي الحاجة.

(1) سالم، عطية محمد: الرَّشْوَة، مقَالَ في مجلة الجامعة الإسْلاميَّة، عدد (58)، ص (128).

(2) البَيْهَقِيّ، هو الحافظ العلامّة أبو بكر أحمد بن الحسين، الخراساني، البَيْهَقِيّ، ولد في بيهق، سنة (384هـ) وتوفي فيها سنة (458هـ). انظر طبقات الشَّافِعِي ة لابن هداية الله، ص (159). وسير أعلام النبلاء (18/ 163).

(3) المائدة / 44.

(4) سُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى، (10/ 139).

(5) البقرة / 188.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٣٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٣٢٠