3 - الميراث
اقتضت حكمة الله أنّ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (1) وأن هذه الدنيا دار ممر لا مقر وأن مال الإنسان ينتقل بموته إلى غيره، لكن إلى من ينتقل؟
هنا يختلف نظام الجَاهِليَّة الجائر عن تشريع الإسلام العادل، ففي نظام الجَاهِليَّة كان ينتقل مال الميت إلى الكبير من أبنائه، فإن لم يكن فإلى أخيه أو عمه فلا يورثون الصغار ولا الإناث بحجة أن هؤلاء لا يحمون الذمار ولا يقاتلون ولا يحوزون المغانم، يوضح ذلك ما روى ابن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: «لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم قَالوا: تعطى المرأة الربع والثمن وتعطى الابنة النّصف ويُعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة. اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينساه أو نقول له فيغيره، فقَالَ بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبي الميراث وليس يغني شيئاً وكانوا يفعلون ذلك في الجَاهِليَّة، لا يعطون الميراث إلا من قاتل يعطونه الأكبر فالأكبر» (2).
«فهذا كان منطق الجَاهِليَّة العربية الذي كان يحيك في بعض الصدور وهي تواجه فريضة الله وقسمته العادلة الحكمية ومنطق الجَاهِليَّة الحاضرة الذي يحيك في بعض الصدور اليوم وهي تواجه فريضة الله وقسمته لعله يختلف قليلاً أو كثيراً عن منطق الجَاهِليَّة العربية» (3).
ثم يجيء تشريع الإسلام الحكيم معلناً بطلان نظام الجَاهِليَّة في التوريث إجمالاً بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (4) وتفصيلاً بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (5) وبقوله تعالى في حق الزوجات: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ
(1) الرحمن / 26.
(2) رواه ابن جرير في تفسيره، (4/ 275)، وذكره ابن كثير في تفسيره، (1/ 459)،
(3) قطب، سَيِّد: في ظلال القرآن، (1/ 590).
(4) النساء / 7.
(5) النساء / 11.