تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك كما قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» (1)، وقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «ألاَ من وليَّ مالَ يتيمٍ، فليتجر له فيه، ولا يتركه، فتأكله الزكاة» (2) فإخراجها سبب لنماء المال وزيادته كما قَالَ تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (3) وقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقة من مال» (4). وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام (5) في كتابه الأموال أن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وليّ مال اليتيم فقَالَ: «إن تركنا هذا (المال) أتت عليه الزكاة» قَالَ أبو عبيد: يعني إن لم يعطه في التجارة (6).

وعلى هذا فنظام الزكاة يجعل رأس المال في حالة حركة دائمة، وممّا يُلفت النظر إليه، أننا وجدنا من علماء الاقتصاد في أوروبا من يفكر في طريقة عملية لتحريك النقود المجمدة في صناديق الذين يكتنزونها ولا ينفقونها، وعلى سبيل المثال وجدنا جفري مارك في كتابه: الوثنية الجديدة، يقترح أن تفرض الدَّوْلَة ضريبة خاصة على كل أرصدة الودائع من النقد في المصارف (7). ووجدنا لورد كينز يقترح تحميل النقد تكاليف حيازته في نسبة مئوية تفرض على أصوله لتحفزه دائماً إلى ميدانه الحيوي في الإنتاج والتبادل (8)، ونحن نرى أن ما انتهى إليه هذان المفكران ليس جديداً علينا ففي فرض الزكاة على النقود وتوظيفها في توفير صنوف الرعاية الاجْتِمَاعِيَّة لمن هم في حاجة إليها في المجتمع تنشيط لعجلة الاقتصاد وحث للأصول النقدية إلى مجالها الحيوي في ميادين الاستثمار وحركة الإنتاج والتبادل في الأسواق وبهذا حال الإسلام بتشريعاته المالية من دون كنز النقود وتعطيلها عن دورة الإنتاج والتبادل، لأن النقود في حقيقتها لا تعدو أن تكون ممثلة لسائر الطيبات من سلع وخدمات، وهي كما يقول

(1) رواه مالك في الموطأ، باب: زكاة أموال اليتامى والتجارة، لهم فيها عن عمر بن الخطَّاب، (1/ 251)، والطَّبراني في المعجم الأوسط عن بن أنس، (4/ 264)، وتحفة الأحوذي، (3/ 283)، ومجمع الزوائد، باب: زكاة أموال الأيتام، وقَالَ: إنّ إسناده صَحِيْح، (3/ 67)، وفيض القدير، (1/ 107)، قَالَ الهيثمي: قَالَ العراقي: إنّ إسناده صَحِيْح.

(2) شرح الزرقاني، (3/ 439)، عن عَمْرو بن شُعيب عن أبيه، عن جده.

(3) البقرة / 276.

(4) رواه مسلم في صَحِيْحه عن أبي هريرة، باب: استحباب العفو والتواضع، (4/ 2001)، وصَحِيْح ابن خُزَيْمَة، (4/ 97)، وصَحِيْح ابن حبّان، (8/ 40) وسُنَن التِّرْمِذِي باب: ما جاء في التواضع (4/ 376) وسُنَن الدارمي، باب: فضل الصدقة، (1/ 486)، وسُنَن البَيْهَقِيّ الكبرى (8/ 161) (10/ 235)، وموطأ مالك (2/ 1000)، ومُسْنَد أحمد (2/ 286) والمعجم الكبير (11/ 405).

(5) هو أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء بغدادي، من كبار علماء الحديث والأدب والفقه، ألّف كتباً كثيرة منها الغريب وهو من أئمة أهل السنة والجماعة توفي بمكة سنة 224هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 490). وتهذيب التهذيب (8/ 315) والأعلام (5/ 176).

(6) ابن سلام، أبو عبيد القاسم، الأموال، ص (612).

(7) قرشي، أنور إقبال، الإسلام والرِّبَا، ترجمة فاروق حلمي، ص (188).

(8) قرشي، أنور إقبال، الإسلام والرِّبَا، ترجمة فاروق حلمي، ص (68).

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلامي · الصفحة ٢٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العدالة في أنظمة المجتمع الاسلاميص ٢٨٧