تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْمُنَازِعُونَ لا يُفَرِّقُونَ , بَلْ يُوجِبُونَ الضَّمَان عَلَى الآكِل وَالْمُخْرِج مَعًا , وَلا يُفَرِّقُونَ فِيهِ بَيْن الْمُحْتَاج وَغَيْره. وَهَذَا جَمْع بَيْن مَا فَرَّقَ الرَّسُول بَيْنه , وَالنَّصّ صَرِيح فِي إِبْطَاله. فَالْحَدِيث حُجَّة عَلَى اللَّفْظَيْنِ مَعًا.

فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُجَوِّزُونَ لا يَخُصُّونَ الإِبَاحَة بِحَالِ الْحَاجَة , بَلْ يُجَوِّزُونَ الْأَكْل لِلْمُحْتَاجِ وَغَيْرهَا فَقَدْ جَمَعُوا بَيْن مَا فَرَّقَ الشَّارِع بَيْنه؟

قِيلَ: الْحَاجَة الْمُسَوِّغَة لِلأَكْلِ أَعَمّ مِنْ الضَّرُورَة , وَالْحُكْم مُعَلَّق بِهَا , وَلا ذِكْر لِلضَّرُورَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا الْجَوَاز دَائِر مَعَ الْحَاجَة , وَهُوَ نَظِير تَعْلِيق بَيْع الْعَرَايَا بِالْحَاجَةِ فَإِنَّهَا الْحَاجَة إِلَى أَكْل الرُّطَب. وَلا تُعْتَبَر الضَّرُورَة اِتِّفَاقًا , فَكَذَلِكَ هُنَا. وَعَلَى هَذَا: فَاللَّفْظ قَدْ خَرَجَ مَخْرَج الْغَالِب. وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلا مَفْهُوم لَهُ اِتِّفَاقًا.

وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز أَيْضًا: حَدِيث رَافِع بْن عَمْرو الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْكِتَاب , وَقَدْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ. وَلا يَصِحّ حَمْله عَلَى الْمُضْطَرّ لِثَلاثَةِ أَوْجُه.

أَحَدهَا: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ لَهُ الأَكْل , وَلَمْ يَقُلْ: كُلْ إِذَا اُضْطُرِرْت , وَاتْرُكْ عِنْد زَوَال الضَّرُورَة , كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَيْتَة , وَكَمَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ رُكُوب هَدْيه: " اِرْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظَهْرًا "

الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الإِبَاحَة إِنَّمَا هِيَ لأَجْلِ الضَّرُورَة فَقَطْ لَثَبَتَ الْبَدَل فِي ذِمَّته , كَسَائِرِ الأَمْوَال وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرهُ بِبَدَلٍ , وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة مُمْتَنِع.

الثَّالِث: أَنَّ لَفْظ الْحَدِيث فِي كِتَاب أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ ذِكْر , فَإِنَّهُ قَالَ: " يَا غُلام لِمَ تَرْمِي النَّخْل؟ قَالَ: آكُل. فَقَالَ: لا تَرْمِ النَّخْل , وَكُلْ مَا سَقَطَ " فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يَرْمِيهَا لِلأَكْلِ لا لِلْحَمْلِ , فَأَبَاحَ لَهُ السَّاقِط , وَمَنَعَهُ مِنْ الرَّمْي , لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَة الأَذَى , وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ , وَلَفْظه قَالَ: " يَا رَافِع لِمَ تَرْمِي نَخْلهمْ؟ قَالَ قُلْت: يَا رَسُول اللَّه الْجُوع. قَالَ: لا تَرْمِ , وَكُلْ مَا وَقَعَ , أَشْبَعَك اللَّه " فَهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مُعَارِضًا لِلأَوَّلِ. وَكِلاهُمَا يَدُلّ عَلَى إِبَاحَة الأَكْل , وَأَنَّ الإِبَاحَة عِنْد الْجُوع أَوْلَى.

وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز أَيْضًا: حَدِيث عَبَّاد بْن شُرَحْبِيل , وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَاب , وَهُوَ صَحِيح الإِسْنَاد , وَالاسْتِدْلال بِهِ فِي غَايَة الظُّهُور. وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْض النَّاس رَدّه بِإِنَّهُ لَمْ يُحَدِّث بِهِ عَنْ أَبِي بِشْر إِلا جَعْفَر بْن إِيَاس , وَهَذَا تَكَلُّف بَارِد فَإِنَّ أَبَا بِشْر هَذَا مِنْ الْحُفَّاظ الثِّقَات الَّذِينَ لَمْ تُغْمَز قَنَاتهمْ. وَتَكَلَّفَ آخَرُونَ مَا هُوَ أَبْعَد مِنْ هَذَا. فَقَالُوا: الْحَدِيث رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ , وَلَفْظه " فَأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبه , وَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَام " قَالُوا: فَالْمَأْمُور لَهُ بِالْوَسْقِ هُوَ الأَنْصَارِيّ صَاحِب الْحَائِط وَكَانَ هَذَا تَعْوِيضًا مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُنْبُله وَهَذَا خَطَأ بَيِّن. فَإِنَّ الْمَأْمُور لَهُ بِالْوَسْقِ إِنَّمَا هُوَ آكِل السُّنْبُل عباد بْن شُرَحْبِيل , وَالسِّيَاق لا يَدُلّ إِلا عَلَيْهِ. وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبه وَأَطْعَمَهُ وَسْقًا. وَلَفْظ أَبِي دَاوُدَ صَرِيح فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: " فَرَدَّ عَلَيَّ ثَوْبِي وَأَعْطَانِي وَسْقًا"

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلام فِي الْغَرِيب عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاء قَالَ: " رَخَّصَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَائِعِ الْمُضْطَرّ إِذَا مَرَّ بِالْحَائِطِ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ , وَلا يَتَّخِذ خُبْنَة " وَهَذَا التَّقْيِيد يُبَيِّن الْمُرَاد مِنْ سَائِر الأَحَادِيث.

قِيلَ: هَذَا مِنْ الْمَرَاسِيل الَّتِي لا يُحْتَجّ بِهَا , فَضْلاً عَنْ أَنْ يُعَارَض بِهَا الْمُسْنَدَات الصَّحِيحَة. (1)

(1) تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود.

آداب الطعام · الصفحة ٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

آداب الطعامص ٤٦