تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لِغَيْرِهِ , وَفِيهِ جَوَاز تَرْك الْمُضِيف الأَكْل مَعَ الضَّيْف لأَنَّ فِي رِوَايَة ثُمَامَة عَنْ أَنَس فِي حَدِيث الْبَاب " أَنَّ الْخَيَّاط قَدَّمَ لَهُمْ الطَّعَام ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمَله " فَيُؤْخَذ جَوَاز ذَلِكَ مِنْ تَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الطَّعَام كَانَ قَلِيلاً فَآثَرَهُمْ بِهِ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَانَ مُكْتَفِيًا مِنْ الطَّعَام أَوْ كَانَ صَائِمًا أَوْ كَانَ شُغْله قَدْ تَحَتَّمَ عَلَيْهِ تَكْمِيله، وَفِيهِ فَضِيلَة ظَاهِرَة لأَنَسٍ لاقْتِفَائِهِ أَثَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي الأَشْيَاء الْجِبِلِّيَّة , وَكَانَ يَأْخُذ نَفْسه بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.

- - - - - - -

الأكل متكئًا:

عن أبي جُحَيْفَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا آكُلُ مُتَّكِئًا)) (1)

سَبَبُ هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةُ الأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ اِبْنِ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ , فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا ". قَالَ اِبْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَا رُئِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ.

وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الِاتِّكَاءِ , فَقِيلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ فِي الْجُلُوسِ لِلأَكْلِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ , وَقِيلَ أَنْ يَمِيلَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ , وَقِيلَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ الأَرْضِ , قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَحْسِبُ الْعَامَّةَ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الآكِلُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إِنِّي لا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا عَلَى الْوِطَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ فِعْلَ مَنْ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنِّي لا آكُلُ إِلا الْبُلْغَةَ مِنْ الزَّادِ فَلِذَلِكَ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا.

وَجَزَمَ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَفْسِيرِ الاتِّكَاءِ بِأَنَّهُ الْمَيْلُ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لإِنْكَارِ الْخَطَّابِيِّ ذَلِكَ. وَحَكَى اِبْنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ مَنْ فَسَّرَ الإِتْكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ بِأَنَّهُ لا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلاً وَلا يُسِيغُهُ هَنِيئًا وَرُبَّمَا تَأَذَّى.

فَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ لِلأَكْلِ أَنْ يَكُونَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَظُهُورِ قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْصِبَ الرِّجْلَ الْيُمْنَى وَيَجْلِسَ عَلَى الْيُسْرَى ,

وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ , وَأَقْوَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا اِتِّكَاءَةً مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ , وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ بَقِيَّةُ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الأَخْبَارِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ فِيهِ ظَاهِرٌ , وَكَذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْنُ الأَثِيرِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ كَذَا فِي الْفَتْحِ. (2)

عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا)) (3)

قال النووي: (مُقْعِيًا) أَيْ جَالِسًا عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الآخَر فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَغَيْره " لا آكُل مُتَّكِئًا " عَلَى مَا فَسَّرَهُ الإِمَام الْخَطَّابِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمُتَّكِئ فِي جُلُوسه مِنْ التَّرَبُّع , وَشَبَهه

(1) رواه البخاري في الأطعمة باب الأكل متكئًا (5398)، والترمذي في الأطعمة (1753)، وأبو داود في الأطعمة (3277)، وأحمد (18005)، والدارمي في الأطعمة (1982).

(2) تحفة الأحوذي.

(3) رواه مسلم في الأشربة باب استحباب تواضع الآكل وصفة جلوسه (3807)، وأبو داود في الأطعمة (3279)، والدارمي في الأطعمة (1973).

آداب الطعام · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

آداب الطعامص ١٥