قال أُنَيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (1) فلم يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنه شعرٌ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر،، قال: فأتيت مكة، فتضعَّفت (2) رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ، فأشار إليَّ فقال: الصابئ (3)، فمال عليَّ أهل الوادي بكل مدرة (4) وعظم حتى خررت مغشيًا عليَّ. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر (5).
قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت - يا ابن أخي - ثلاثين بين يوم وليلة، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسَّرت عُكَن بطني (6)، وما وجدت على كبدي سُخفة جوع (7).
(1) أقراء الشعر: طرقة وأنواعه.
(2) فتضعفت: يعني نظرت إلى أضعفهم فسألته لأنه مأمون الغائلة.
(3) الصابئ: منصوب على الإغراء، أي انظروا وخذوا هذا الصابئ.
(4) مدرة: قطعة الطين اليابس.
(5) نصب أحمر: يعني من كثرة الدماء التي سالت منه.
(6) تكسرت عُكَن بطني: أي انثنت طاقات لحم بطنه.
(7) سخفة الجوع: بفتح السين وضمها هي رقة الجوع وضعفه وهزاله.