تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقاط هامة على طريق الجهاد

وتلك خديعة الطبع اللئيم ... لا بد من الإنتباه إلى بعض النقاط الهامة على طريق الجهاد ...

الطريق إلى الجهاد:

1) إن الطريق إلى الجهاد لنشر دين الله في ربوع العالمين؛ لا بد أن يبدأ بدعوة صريحة للتوحيد الخالص، ولتوضيح لا إله إلا الله في النفوس، وتوحيد الربوبية - المعرفة والإثبات - وتوحيد الله بأفعاله؛ بأن نثبت له الوحدانية في الرزق والأجل والإحياء والإماتة والقدرة.

2) توحيد الأسماء والصفات؛ فنثبت لله الأسماء الحسنة والصفات العليا، دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، كما ورد في الكتاب والسنة، دون اشتقاق أسماء جديدة لله عز وجل، فلا نقول؛ "أن الله جابر"! مع أن اسمه الجبار، فلا نسمي عبد الجابر، ولا نقول؛ يا ساتر لأن صفته الواردة في السنة الستير.

وهذه الدعوة هي جماع دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾.

وتبدأ هذه الدعوة إلى التوحيد منذ اللحظة الأولى؛ بتجميع الناس عليها، وعندما يتجمع حولها مجموعة من الناس، يضحون من أجلها ويعيشون في سبيل إعلائها، تتحرك الجاهلية من حولهم لسحقها وسحقهم، فتقوم المعركة بين الحق والباطل، فيسقط على الطريق أناس، ويفتن أناس ويستشهد أناس ويصبر أناس يحملون اللواء والنبراس، وهؤلاء ينصرهم الله ويمكن لهم في الأرض ويجعلهم ستارا وأداة لنصرة شريعته، ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾.

لا بد من البحث عن قطعة أرض مناسبة يقام عليها دين الله، وعلى الدعاة أن يركزوا جهودهم وجهادهم عليها حتى يأذن الله لهم بالنصر، ويفتح عليهم بالغلبة، هذه الأرض تكون دارا للإسلام، ومنطلقا لدعوته، ومحضنا لفكرته، ومناخا صالحا لنبتته.

ولذا لا بد من وضع النقاط على الحروف في هذه القضية:

1) إن سكوت الجاهلية عن الحق ومهادنته له أمر خلاف سنة الله في الحياة، وعكس قانونه في التدافع، فإن كان هنالك سكوت فهو أمر عارض ولوقت محدود، ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾.

إنه يستحيل على النفس أن تعيش طويلا في مجتمع فاسد دون أن تتحرك لإزالته وتغييره.

2) إن نصر الله لا يتنزل إلا بعد طول البلاء وشدة المحنة، ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾.

فالذين ينتظرون أن يتنزل النصر عليهم وراء مكاتبهم، وهم جالسون على مقاعدهم؛ هؤلاء لا يدركون سنة الله في المجتمعات ولا قانونه في الدعوات.

إن الأفغانيين قد قدموا حتى الآن بين مليون إلى أكثر من مليون ومائتي ألف شهيد، ولم يصلوا إلى نصرة دين الله بعد، ولم يتمكنوا من إقامة شرعه في الحياة.

3) إن الصبر الطويل على ظلم الجاهلية، وكبت الأنفاس الحارة من أن تخرج من الأعماق، والزفرات من أن تفرج عن الصدور، أقول؛ إن الصبر الطويل قد يظنه البعض مفيدا للدعوات، ولا يعلمون أنه قاتل للنفوس، خاصة إذا صاحبه هلع شديد، وحذر بالغ يصل إلى حد الهوس، وجبن خالع يؤدي إلى الموت البطيء التدريجي.

إن الغيرة قد تكبت أولا، ثم تذوي، ثم تضمحل، ثم تموت، فإذا ماتت تحول الإنسان إلى جثة هامدة لا تنكر منكرا ولا تعرف معروفا، أو كما جاء في الحديث؛ "إنه لم يتمعر - أي يحمر - وجهه يوم غضبا لله".

يرى الجبناء أن الجبن حزم

إن الصبر الطويل على المنكرات، وأنت غارق في سريتك القاتلة يؤدي إلى الإستئناس يوميا بالجاهلية الطاغية، وأخيرا؛ يؤدي إلى الإلفة التي تمسخ الفطرة، وتعكس النظرة – "كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟! " –

إن الإلفة التي تقتل الحس الإسلامي في القلب هو الداء الذي يصيب كثيرا من الدعاة الصامتين، بل أكثر من ذلك يؤدي إلى اختلاف الدعاة وتمزق العاملين على هذا النهج.

لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي؛ نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ثم تلى صلى الله عليه وسلم الآية [39]، وقال: (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ويلعنكم كما لعنهم).

بل أكثر من ذلك؛ يوسم الذي يغار على الحرمات ويصدع بالحق بـ "التهور" و "الإندفاع"! ويوصف الساكت بـ "الإلتزام" و "الإتزان"!

قال لي أحد الدعاة: (لقد مكثت في مكتب سنتين مع موظف آخر، لم يعرف اتجاهي خلالها)، فقلت: (إذا لم تتكلم خلال السنتين كلمة واحدة عن الحق الذي تحمله بين جوانحك)!

ترى لو فعل الصحابة كما يفعل كثير من الدعاة السريين اليوم، هل تظنون أن الإسلام خرج من حدود مكة؟!

لو سكت بلال! وراوغ ياسر وسمية! واستسلم ظاهرا عثمان بن مظعون! وقبل أبو بكر بشرط ابن الدغنة الذي أجار أبا بكر! - ألا يرفع صوته في القرآن لأن صوته مؤثر بأبناء الحي من قريش - أقول: لو سكت هؤلاء أمام طغيان الجاهلية وجبروتها، فإن الإسلام لا يمكن أن يخرج من بطحاء مكة ولا يتجاوز الحروراء.

إن إصبع بلال التي تشير إلى السماء وهو تحت العذاب الشديد مرددا: (أحد ... أحد)، لهو زلزلة للكفر من أعماقه، وهز لشجرة الجاهلية من جذورها.

إن الدعوات لا تنتصر في مراحلها الأولى إلا بـ "صوت الروح"، لا بصوت العقل - كما يقول مالك بن نبي -

إن مرحلة العقل هي مرحلة تالية لمرحلة "صوت الروح"، التي تدفع للبذل وتحرك للتضحية.

إن صوت العقل يقول لبلال؛ "إخدع أمية بن خلف، وقل له؛ أنا على دين اللات والعزى، وفي الليل تعال إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قائدك الحقيقي وواليك ورائدك وقل له؛ لقد ضحكت على أمية وخدعته، فحسبني معه وتركني وشأني"!

ولكن الدعوات لا تنتصر بهذه الكياسة والسياسة، إنها تنكس وتتحطم إذا لم تجد من يغذيها بالدماء ويبنيها بالجماجم والأشلاء.

لقد أصبح الدعاة يرددون على ألسنتهم؛ هذا عاطفي! وهذا طيب! وهذا مندفع! وكأن هذه الصفات التي يقوم عليها الجهاد الحقيقي؛ أصبحت معرة وملامة في أنظار الذين لا يعلمون سنن الدعوات.

لا بد من السرية في بداية الأمر، ولا بد من الحذر أثناء الطريق، ولا بد من ضبط النفوس أثناء المسيرة، ولكن السرية في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لها وقت قصير سرعان ما تجاوزته إلى الإعلان، والحذر لا بد منه مع النفر ﴿خذوا حذركم فانفروا﴾، ليس الحذر الذي يؤدي إلى الشلل والجزع والموت.

وضبط النفس أثناء المسيرة ليس عن إعلان العقيدة وتوضيح المبدأ، فهذا شيء لم يضبط أحد من الصحابة نفسه عنه، إن عرض الدعوة وإشهار الدين كان ديدن كل مسلم بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿قم فأنذر﴾، إن الصبر له حدود، والصمت له مدى ... وإلا مسخ الفطرة وقتل الغيرة.

4) إن المعركة مع الجاهلية بالسلاح والسنان لا يمكن إلا إذا سبقتها معركة البيان واللسان، وإن التضحية بالنفس والجود بالروح في أرض القتال لا يكون إلا بعد بذل الوقت والمال.

إن الذين يعجزون أن يسيروا أمتارا؛ سيهلكون إذا حاولوا قطع الأميال.

إن الذين ينتظرون من حفنة من الضباط أن يقيموا لهم دين الله في الأرض، وهم يصدرون الأوامر لهم، أثناء معافسة الأولاد والنساء والإنشغال بعد الأموال وتسجيل العقارات؛ هؤلاء يظنون أن إقامة المجتمعات وتغيير النفوس والأشخاص والقلوب وبناء الأرواح وصقلها يتم بهذه السهولة وبهذا الرخص من التضحية!

5) إن المعركة والجهاد في سبيل الله هي التي تفرز القيادات وتبرز الرجال من خلال التضحيات.

إن قدر أبي بكر بين المسلمين بحيث كان انتخابه بشبه إجماع، لم يأت مصادفة ولا اعتباطا، إنما أبرزت أبا بكر الأحداث، وميزته التضحيات، ورفعته المواقف والمحن والملمات، ولذا قال عمر يوم تبوك - بعد أن جاء بنصف ماله ورأى أن أبا بكر جاء بماله كله - وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل ماذا تركت لأهلك؟ قال: (تركت لهم الله ورسوله)، وعندها قال عمر: (ما تسابقت أنا وأبو بكر في مسألة إلا سبقني أبو بكر).

ولم يكن أبو بكر بحاجة إلى دعاية انتخابية، ولا للإشتراك في قائمة مرشحين، لأن قدره قد برز أثناء المسيرة، وعلى طول الطريق، فلم يعد بحاجة إلى شراء الضمائر بالأموال، ولا إلى تضليل النفوس ببريق الإعلام وتلميع الأعمال.

إن المجتمعات الراكدة كالماء الراكد لا يطفو عليه إلا العفن والطحالب والأشنات، فقيادة المجتمعات الراقية التي لا تتحرك للقتال تطفو متعفنة فاسدة، وأما المجتمع المجاهد فإنه كالماء المتحرك والنهر الجاري؛ يأبى أن يحمل العفن أو يطفو على وجهه الخبث.

كيف يمكنني أن أسوي بين إنسان عادي تاجر أو صاحب مال يأتي من "السعودية" أو "دول البترول" ليقدم ماله بيده ويقدم زكاته بنفسه إلى المجاهدين ويطلع على أحوالهم، كيف أسوي بينه وبين داعية يحضر إلى باكستان لأداء امتحان في جامعة من جامعاتها ويمكث شهرا أو شهرين انتظارا لموعد مناقشة الماجستير، أو النظر في أمر تسجيله في الجامعة، دون أن يخصص أسبوعا للمجاهدين!

أنا أقول في نفسي؛ إن هذا الداعية لم يعد في نفسه أية حرقة على هذا الدين، وأية غيرة تدفعه للإهتمام بأمر المسلمين، ولا يمكن لقلبي أن يصدق أن هذا من الدعاة ... بل إن ذلك الإنسان العادي عندي أفضل بكثير من هذا الداعية الذي طال عليه الأمد فقسى قلبه، وأرجو ألا يكون من الفاسقين – "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" [40]-

[39] الآية هي قوله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ (المائدة: 78).

[40] تحتوي النسخة المنشورة من قبل " مركز شهيد عزام الإعلامي – بيشاور - من هذا الكتاب - بعد نهاية هذا الفصل -؛ على فصل بعنوان "قضية أفغانستان"، وهو عبارة عن تقرير ميداني يتحدث بالأرقام عن مأساة الشعب الأفغاني المسلم، وتوصيات الشيخ حول ذلك، كان الشيخ رحمه الله قد قدمه إلى مؤتمر المساجد العالمي، المنعقد في مالديف، عام 1985م.

ويحتوي كذلك على فصل بعنوان؛ "قصص لا تُنسى"، يضم قصص وكرامات المجاهدين في أفغانستان وفي غيرها، كما سمعها الشيخ من الموثوقين عنده.

والفصلان غير موجودة في هذه النسخة [المنبر].

عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضر · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبر وبصائر للجهاد في العصر الحاضرص ٦