إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه ". وقال مثله الزبيدي (1) ، وزاد عليه لأن وصف لفظ الدعاء يطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، فهذه شهادة من الزبيدي ضدكم بأنكم صرفتم التوحيد إلى غير الله .
فإذا كان الدعاء غاية التذلل والافتقار وإظهار الفاقة والتضرع وهو التوحيد : فمثل هذا لا يجوز صرفه لغير الله وإلا كان شركاً .
الدعاء عند الرازي أعظم مقامات العبودية
? قال الفخر الرازي " المقصود من الدعاء إظهار الذلة والأنكسار" وقال " وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : الدعاء أعظم مقامات العبادة " (2) .
وفسر قوله تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ فقال : كأنه سبحانه وتعالى يقول : عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء . أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج ، وأنا الإله الغني " (3) .
كما نقل عن الخطابي قوله " الدعاء هو العبادة " معناه أنه أعظم العبادة " و " حقيقة الدعاء استمداد العبد المعونة من الله " (4) .
فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجا بهذه الآية .
وذكر الحليمي أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله " (5) . وعرّف صاحب القاموس الدعاء بالرغبة إلى الله (6) .
السجود لغير الله ليس هو الشرك الوحيد
وهؤلاء لم يفهموا من العبادة إلا الركوع والسجود . وهم بذلك يقصرون العبادة على بعض أفرادها كقولهم " العبادة نهاية التذلل " .
ولا ننسى أن المحبة والخضوع والتوكل والإنابة والخوف والرجاء والطاعة والتقوى كل ذلك عبادة لا ركوع فيها ولا سجود .
ورمي الجمار ليس فيه سجود ومع ذلك فهو عبادة ؟
والصيام عبادة لا سجود فيها .
(1) - فتح الباري 11 / 149 وانظر إتحاف السادة المتقين 5 / 4 .
(2) - لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات ص 91 تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ط: دار الكتاب العربي.
(3) - لوامع البينات 88 .
(4) - التفسير الكبير 5 / 83 .
(5) - المنهاج في شعب الإيمان 1 / 517 ط: دار الفكر 1979.
(6) - القاموس المحيط ص 1655 باب الواو والياء - فصل الدال.