فاقتباس مولدنا من ميلادهم مذمة لهذا الملك وليس مدحاً له . ولو كان مدحاً لوجب ذم من قبله لأنهم لم يعبئوا بأمر المولد . ولكان النصارى أشد حباً لأنبيائهم وأكثر احتفاءً بهم منا .
وأمامنا واحدة من اثنتين : إما أن نقول إنهم لم يجعلوا ليوم مولده عيداً لأنهم أقل حباً له من أصحاب الطرق الصوفية والملة النصرانية أو نقول إنهم لم يفعلوه لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشرعه لهم و " لو كان خيراً لسبقونا إليه ".
إبطال دعواه أن أول من عملها ملك إربل
ودعواه أن أول من عملها ملك إربل غير صحيح :
? فقد ذكر الإمام أبو شامة الشافعي أن أول من أحدث المولد بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا ، وبه اقتدى ملك إربل (1) . وهو رجل صوفي ليس فصلاً بين المتنازعين، ومتى كان عمل الملوك حجة شرعية يحسم بها الخلاف بين المختصمين ؟!
بل قد ذكرت كتب التاريخ أن أول المروجين لبدعة المولد هم الفاطميون الباطنيون الروافض الذين دسوا في مساجد المسلمين سموماً كثيراً ونشروا بدع المولد وغيرها (2) .
قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني (3) : " لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ولا يُنقل عملُهُ عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين : بل هو بدعة أحدثها البطالون ... وهو ليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه ، وهذا لم يأذن فيه الشرع ، ولا فعله الصحابة ولا التابعون فيما علمت ، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن سئلتُ عنه " (4) .
وقد ساق السيوطي فتوى الفاكهاني بكاملها ، ونقلها الشيخ عدوي المالكي في حاشيته على مختصر الشيخ خليل المالكي (8/168) حيث قال في مبحث الوصية " أما الوصية على المولد الشريف فذكر الفاكهاني في عمل المولد أن عمل المولد مكروه " وتلقاه عن العدوي بالقبول الشيخ محمد عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 171) .
- وورد في الحاوي (1/196) والزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية (1/140) أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة .
ومع اعتراف السيوطي أن المولد بدعة إلا أنه يراه بدعة حسنة لاشتماله على أشياء حسنة . ولكننا نسأل السيوطي : كيف فاتت هذه الحسنة سلفَنا الذين كانوا أسبق إلى الخير وأكثر توفيقاً إليه منا ؟!.
ولهذا خالفه ابن الحاج في المدخل حيث رأى أنه بدعة مخالفة للسلف بالرغم من هذه الأشياء الحسنة فقال في المدخل (2/11) :
" هو بدعة في الدين وزيادة في الدين ليس من عمل السلف الماضين واتباع السلف أولى بل أوجب ... لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم " . وكلامه دليل على أن ما تركه الصحابة فلترك النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه فمن استحب فعل ما تركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فقد خالفه .
(1) الباعث على إنكار البدع والحوادث 34.
(2) الخطط المقريزية 432 و.49 صبح الأعشى للقلقشقندي 3/498.
(3) وقد شهد أئمة أهل العلم بفضل الفاكهاني فقال السيوطي في حسن المحاضرة (1/195) وابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة علماء المذهب (186) " كان فقيهاً فاضلاً متفنناً في الحديث والفقه والأصول والعربية والأدب، صالحاً عظيماً )) وأثنى عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (3/254) وأثنى عليه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (14/153) .
(4) المورد في عمل المولد 20-22 ط: مكتبة المعارف. وانظر الحاوي للفتاوي 1/190-192 رسالة: حسن المقصد في عمل المولد .