تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيع وطوائف، وأنهم على حالهم تلك لا يمثلون روح الإسلام، فإن من شأن الدين أن يخلق بين أتباعه جواً خالصاً من الوفاق والوحدة في الظاهر والباطن جميعا. انظر إلى المسلمين وهم يقفون بين يدى الله في الصلاة .. ماذا ترى؟ لا يحتاج الأمر إلى معاودة النظر أو إعمال الفكر لتقع على الخلل والاضطراب في هذه الجماعة القائمة بين يدى الله .. فهذا يقف في الجماعة مرسلا يديه إلى جانبيه إرسالا. لأنه مالكى، ولأن مذهب مالك يقول بهذا الوضع في الصلاة، وثان يضع يديه ممسكا بهما تحت سرته لأنه حنفى ولأن مذهب أبى حنيفة يأخذ بهذه الصورة، وثالث يضع يديه ممسكا بهما إلى صدره لأنه شافعى .. وهكذا .. وقد يقول قائل: وما المنكر من أمر هذه الأوضاع التى يتخذها المصلون من إرسال الأيدى أو إمساكها؟ وقد ثبت أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يرسل يديه في الصلاة، كما كان يمسكها فوق الصدر أو تحت السرة أو على الجانب الأيسر من الصدر مما يلى القلب .. فهذه كلها صور نقلت بالإسناد الصحيح عن رسول الله، وأن أئمة المذاهب قد أخذوا بما ثبت لديهم من صحيح السنة. فما المنكر أن يأخذ بها المسلمون؟ ونقول: إن المسلمين الذين كانوا يصلون خلف الرسول الكريم، كانوا يأخذون الوضع الذى يكون عليه نبيهم وإمامهم، دون أن يخرج عليه خارج ولو بوضع كان الرسول قد فعله من قبله، وان هذه كانت سبيل المسلمين في جميع الأمصار إلى أن ظهرت المذاهب وتمايزت بأنصارها وأتباعها .. إن أصحاب المذاهب قد استبد بهم الخلاف فأغراهم بالمخالفة التى لا تجر نفعاً، ولا تثمر إلا فرقة وانقساماً. وان كان لهذا الخلاف مستند من الحق، ودليل من الواقع .. وماذا لو قال صاحب كل مذهب بهذه الصور جميعاً وكلها حق؟ بل ماذا لو أجمع أصحاب المذاهب على صورة واحدة وهى الحق لا شك فيه؟ إذن لاستقام المسلمون على صورة واحدة في الصلاة، ولخلت صفوفهم من هذا الاضطراب، ولأخذتهم العين مأخذ الجلال والروعة في هذا المقام الرائع المشهود، ولكنه التعصب للمذهب الذى يبدأ أول أمره اجتهاداً في تحرى الحق، وكشف معالم الطريق، ثم لا يلبث -بفعل المنافسة وحب الغلب- أن ينقلب إلى عداوة تملأ العين كراهية وازدراء لكل عمل أو رأى يجىء من تلقاء الخصم المنافس. ص _211

ظلام من الغرب · الصفحة ٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ظلام من الغربص ٢١٠