تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن أعداءها لا يدعون ما لديهم ويدخلون فيها إلا بصعوبة وتكلف. ولذلك قال: " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب". فإذا كبر على المشركين قبول الدعوة فإن تلك الدعوة لن تجد طريقها من نفوسهم وصفوفهم إلا إذا صانت الوحدة أطرافها، وركزت قواها وسناها.! ومن هنا قال الله عز وجل للمسلمين: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " وقال: " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم". واستئصالا لجراثيم الفرقة حارب الإسلام مظاهر الشذوذ، وشدد النكير على أصحابها وبلغ منها حداً يثير الدهشة. فهذا مصل ذهب إلى المسجد قياماً بحق الله. ووقف في الصف ليركع ويسجد ابتغاء مرضاته. لكنه مذهول عما حوله محصور في حدود أفكاره ومشاعره الخاصة، فهو يتحرك من تلقاء نفسه غير مرتبط بالنداء الذى يضبط نظام الجماعة. هذا المصلى الخارج على صورة التجمع لا يشفع له أنه في عبادة ولا يقبل في شذوذه عذر! وبم يوصف عمله؟ إن انفلاته من قيد الجماعة يشير إلى بقايا حيوانية فيه، ورفضه الانقياد في الركوع والرفع منه، وإيثاره متابعة هواه الخاص، يدلان على نفس تستمرىء الفوضى وتستسيغ الشغب، فهى في المسجد أو في المجتمع العام محذورة النزوات. ولذلك يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الذى يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان ". نعم هى بيد شيطان، وإن كان صاحبها يصف قدميه في عبادة. فإن قيمة الطاعة ليست في صورة الجسد الحانى. وإنما هى قبل كل شىء في حقيقة القلب المنيب، وفى النفس المتوجهة إلى الله ترجو رضاه وتخشى غضبه. ص _207

ظلام من الغرب · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ظلام من الغربص ٢٠٦