قال الدكتور زكى مبارك:
"وإذا كان في الأحاديث النبوية ما ينذر بأن اللسان قد يهوى بصاحبه في النار سبعين خريفاً فنحن نؤكد أن القلم قد يهوى بصاحبه في النار سبعمائة ألف خريف. والقلم في هذا الزمان أخطر الآفات، وعلى حملة الأقلام أكبر الإثم في خلق الضغائن والحقود بين الأفراد والجماعات والشعوب، وهم المسئولون أمام الله وأمام التاريخ عن تكدير السلام وسوق الناس إلى المجازر البشرية. وكتاب السياسة لا تروج أسواقهم إلا إن عرفوا بالقدرة والبراعة في تصوير مقاتل الحكومات والأحزاب، والجريدة التى تؤثر العقل على الهوى يتلقاها الناس بفتور وعدم اكتراث، لأن في بنى آدم حيوانية مقهورة تطلب الغذاء من الأقاويل والأراجيف، وبذلك يصفقون لمن يجترح المآثم باسم الغيرة على عمار الكون، مع أنهم يعرفون أن بيته خراب .. !!! وسيأتى يوم تعتدل فيه الموازين الذوقية والأدبية والاجتماعية والسياسية، فيعرف من لم يكن يعرف أن الظالم السياسى كان يتلون بألوان الشهوات والأهواء. وأن من أقطاب السياسة الدولية من يضرب الأمم بعضها ببعض في خطبة أو مقالة وهو معقول بعقال الشراب ". قد تقول: إن من الجور نسبة كل خلاف إلى سوء النية وضعف الخلق. فكثير من المختلفين يبغى من مذهبه إصابة الحق ومثوبة الله، وهو يحب ويبغض على ضوء ما يتكشف له وحده من خطأ وصواب. ونقول: إن طبيعة الاختلاف وطبيعة السلوك الذى يعقبه هى التى تحكم على المختلفين، وتبنى قربهم أو بعدهم من حقيقة الإسلام. إن الله عز وجل شرع أركان الدين. ووكل لأنبيائه أن يشرحوها ويأخذوا الناس بها. ونهاهم أن يختلفوا عليها حتى لا يطمس الخلاف معالمها ويصرف الأمم عن اتباعها. فوصاهم بهاتين الكلمتين " أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ". أى أن التجمع على الحق يعدل الاهتداء إليه. وكلاهما كهف الدعوة وضمان نجاحها في الحياة. ص _206