تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُرَافِقُ أَصْحَابَهُ فِي السَّفَرِ رِفْقًا، فَجَعَلَتْ رُفْقَةٌ مِنْهُمْ يَهْرِفُونَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ، إِنْ نَزَلَ فَصَلَاةٌ، وَإِنِ ارْتَحَلْنَا فَقِرَاءَةٌ وَصِيَامٌ لَا يُفْطِرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ يَكْفِيهِ كَذَا».قَالُوا: نَحْنُ. قَالَ: «كُلُّكُمْ خَيْرٌ مِنْهُ» (1)

وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْتَرِطُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي السَّفَرِ أَنْ يَخْدِمَهُمْ. وَصَحِبَ رَجُلٌ قَوْمًا فِي الْجِهَادِ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمَهُمْ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ، قَالَ: هَذَا مِنْ شَرْطِي، فَيَفْعَلُهُ، فَمَاتَ فَجَرَّدُوهُ لِلْغُسْلِ، فَرَأَوْا عَلَى يَدِهِ مَكْتُوبًا: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَنَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كِتَابَةٌ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ. (2)

-------------

28 - فضل عمل المجاهد والمرابط من الصوم والصلاة:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللهُ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (3)

وكان كثير من السلف يصومون في الجهاد، ويقاتلون ولا يفطرون، احتساباً لذلك عند الله، وطلباً لمرضاته، ورغبته في جزيل ثوابه. ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ فَتًى غَزَا زَمَانًا، وَتَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ، فَلَمْ يُصِبْهَا، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَانِي إِلَّا لَوْ قَفَلْتُ إِلَى أَهْلِي، فَتَزَوَّجْتُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ فِي الْفُسْطَاطِ، ثُمَّ أَيْقَظَهُ أَصْحَابُهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ قَالَ: فَبَكَى حَتَّى خَافَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَيْسَ بِي بَأْسٌ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي آتٍ، وَأَنَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى زَوْجَتِكَ الْعَيْنَاءِ. قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بِي فِي أَرْضٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مَا رَأَيْتُ رَوْضَةً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فَإِذَا فِيهَا عَشْرُ جِوَارٍ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُنَّ قَطُّ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْهُنَّ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ. فَقُلْتُ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: هِيَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ جَوَارِيهَا قَالَ: فَمَضَيْتُ مَعَ صَاحِبِي فَإِذَا رَوْضَةٌ أُخْرَى يُضَعَّفُ حُسْنُهَا عَلَى حُسْنِ الَّتِي تَرَكْتُ، فِيهَا عِشْرُونَ جَارِيَةً، يُضَاعَفُ حُسْنُهُنَّ عَلَى حُسْنِ الْجَوَارِي اللَّاتِي خَلَّفْتُ، فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُنَّ، فَقُلْتُ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ؟ قُلْنَ: هِيَ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَنَحْنُ جَوَارِيهَا. حَتَّى ذَكَرَ ثَلَاثِينَ جَارِيَةً قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مُجَوَّفَةٍ، قَدْ أَضَاءَ لَهَا مَا حَوْلَهَا، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: ادْخُلْ. فَدَخَلْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ لَيْسَ لِلْقُبَّةِ مَعَهَا ضَوْءٌ، فَجَلَسْتُ، فَتَحَدَّثْتُ سَاعَةً، فَجَعَلَتْ تُحَدِّثُنِي، فَقَالَ

(1) - الجهاد لابن المبارك (ص:162) (214) صحيح مرسل

(2) - جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 295)

(3) - صحيح مسلم (2/ 808) 167 - (1153)

[ش (خريفا) الخريف السنة والمراد مسيرة سبعين سنة]

زاد المجاهد في سبيل الله · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زاد المجاهد في سبيل اللهص ٢٣٨