تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بِالتَّفْضِيلِ فِي تَرْكِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ أُرِيدَ بِهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ كُلُّ الْأَوْقَاتِ، وَيَكُونُ الْوَقْتُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ هُوَ الْوَقْتَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَوَابًا لَهُ عِنْدَ سُؤَالِهِ إِيَّاهُ عَنِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمُ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:105]،فَقَالَ:" بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ أَمْرَ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، صَبْرٌ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ ".وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَسَانِيدِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا، فَيَكُونُ اعْتِزَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَكُونُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَزْمِنَةِ بِخِلَافِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِتَفْضِيلِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى تَرْكِ مُخَالَطَتِهِمْ هُوَ ذَلِكَ الزَّمَانَ؛ حَتَّى لَا يُضَادَّ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْهُمَا. وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فعن شِهَابِ بْنِ مُدْلِجٍ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، فَلَقِينَا أَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: انْطَلِقَا إِلَى نَاسٍ عَلَى تَمْرٍ وَمَاءٍ، إِنَّمَا يَسِيلُ كُلُّ وَادٍ بِقَدْرِهِ، قُلْنَا: كَثُرَ خَيْرُكَ، اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاسْتَأْذَنَ، فَسَمِعْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ تَبُوكَ، فَقَالَ:" مَا فِي النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، لِيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَجْتَنِبَ شُرُورَ النَّاسِ، وَمِثْلُ رَجُلٍ بَادٍ فِي غَنَمِهِ، يَقْرِي ضَيْفَهُ، وَيُؤَدِّي حَقَّهُ ".قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا، قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا، قُلْتُ: أَقَالَهَا؟ قَالَ: قَالَهَا، قَالَ: فَكَبَّرْتُ، وَحَمِدْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَشَكَرْتُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهْلَ الْمَنْزِلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَقْدِيمٍ مِنْهُ أَهْلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى ذِكْرِ أَهْلِ الْأُخْرَى، فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْأَشْيَاءَ بِمَرَاتِبَ يُقَدِّمُونَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعَهَا غَيْرُ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْهَا، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا تَأَوَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَصَرَفْنَا مَعْنَاهُ إِلَيْهِ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ" (1)

------------

14 - نوم المجاهد أفضل من قيام غيره الليل وصيامه النهار

(1) شرح مشكل الآثار (14/ 161)

زاد المجاهد في سبيل الله · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

زاد المجاهد في سبيل اللهص ٢٠٩