تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التجارة، وقد زار اليمن في أوائل السبعينات ثم عاد.

وكان بينه وبين الشيخ مراسلات كثيرة وقفنا منها على سبع عشرة رسالة كلها من الشيخ المعلمي إليه (انظرها في الرسائل الشخصية)، وكان أحمد من أحب الناس إلى الشيخ، قال في رسالة إليه: "فإنك تعلم حقيقة هذا الأمر من نفسك، أنت مني وأنا منك، وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد - حفظه الله تعالى - من يسرني سروره أزيد منك، ولا أعلم لك ذنبًا". والرسائل التي أرسلها له الشيخ تبين مكانته عنده وحبه له، وتعاهده بالنصيحة والمشورة والمساعدة المادية، واستجلاب أولاده إلى مكة بعد أن استقر فيها، ودوام الاعتذار عن التقصير في تتابع الرسائل إليه، لما يُعرف من طبيعة الشيخ من قلة المكاتبة.

توفي فيما بلغني سنة 1412.

3 - عبد المجيد بن يحيى المعلمي:

نشأ عند والده ولازمه حتى مات، وتعلم القرآن الكريم، وأجاد القراءة والكتابة، واستمر في منزل والده في "بيت الريمي" يقوم بوظيفة والده من تعليم وزراعة حتى بداية السبعينات، حيث فارق القرية وسافر إلى صنعاء، وأقام عند أحد أولاده الموظفين، وعليه سيما الصلاح، وقد توفي رحمه الله سنة 1415.

وقد ذكره الشيخ في رسائله الخاصة عدة مرات، وذكر أنه اعتاد أن يحج كل سنة، وواضح من إشارات الشيخ المتكررة أن عبد المجيد كان يتعاهد إخوانه بالرسائل والمكاتبات، وذكر الشيخ في رسالة له أن حالته المادية

فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصَفَ به، لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصَف به.

فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا بعدم اللقاء، فلا إيهام، فلا إرسال خفيًّا.

[ص 86] قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا، أو لذلك الحديث، فلا إيهام، فلا تدليس.

والتحقيق: أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء، أو عدم السماع، وهو ثقةٌ غير مدلس، لبينه لمن يأخذ عنه، ولو فُرِضَ أن الثاني كان عالمًا بذلك، فاستغنى عن التبيين، فيلزم الثاني أن يبينه للثالث، وهكذا.

فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس، أو الإرسال الخفي إلى ثقةٍ كذلك روى بالعنعنة عمّن عاصره، وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحدٌ من رجال السند ولا غيرهم على عدم اللقاء، فهو كما جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمّن لقيه، وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينصّ أحدٌ من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع، ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع، وفي قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي ردّه اتهام الثقة بإيهام السماع فقط، فهذه بتلك.

فإذا لاحَظْنا قلة الإرسال الخفي في السلف، واعتيادهم [ص 87] للإسناد، وخوفهم من نقد النقاد، كان الأمر أوضح، فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء، كما سبق بيانها أول البحث؟

[ص 120] فكيف إذا شئت زيارة الحرمين بالفعل، أو كان أحد الرجلين ببلدة قد وصلها الآخر، فكيف إذا أقاما ببلدة واحدة؟!

والحاصل أن الأصل كما قررناه، وأنه قد تقوم قرائن تصرف عنه، وقد تقوم قرائن تؤيده.

ولنذكر مثالاً آخر يوضّح ذلك الأصل:

كنا في بومباي - مثلاً - فجاء رجل من السند، لم يصل بومباي قبل، فمكث في بومباي بضعة أيام، ثم لقينا، فأخذ يخبرنا عن فلان المدرِّس بمدرسة كذا في بومباي أنه قال كذا، وعن فلان الإِمام بمسجد كذا فيها أنه صلَّى الجمعة بسورة كذا، وعن فلان التاجر بها أن سائلاً سأله فرد عليه بكذا.

فالذي يتبادر إلى الأذهان أنه لقي أولئك الأفراد وسمع منهم، مع أنه لو لم يخبرنا بذلك، لم يترجَّح لنا ألقيهم أم لا.

فتبين أن التبادر إنما جاء من الرواية, فثبت أن الأصل في الرواية, أن تكون عما شاهده الراوي وأدركه.

[ص 121] (2) لعل اصطلاح المحدّثين كان على خلاف ذلك، كما يدل عليه ذهاب ابن المديني والبخاري، ومن تبعهما إلى ما ذهبوا إليه.

(1) قد أسلفنا أن مجرد ذهابهما إلى ذلك القول لا يصلح نقضًا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وهو يدل أبلغ دلالة أن اصطلاحهم كان موافقًا للأصل، بل هناك من القرائن ما يدلّ على شدة محافظتهم على الأصل أشدّ من محافظة غيرهم، وذلك مزيد احتياطهم وتثبتهم وجريان عادتهم بالإسناد، والتحفُّظ من نقد النقاد، وغير ذلك.

وقد قدمت فصلاً في ذلك (1).

ومن أنصف علم أن الحجج المُثْبِتة أنه تبارك وتعالى في جهة أقوى بدرجات مما احتجَّ به على أن الفضاء شيء وجوديّ، هذا إن لم يسلم أن تلك قطعية.

وإذا ثبت أو جاز أن يكون حقيقة الفضاء أمر عدمي (2) سقطت حجتكم الأولى، وكذلك الثانية، فإنه إذا كان الفضاء أمرًا عدميًّا لم يتصور الحاجة إليه في الوجود إلا بمعنى الحاجة إلى أن لا يرتفع بالكلية، وارتفاعه بالكلية محال، وارتفاعه في الجملة واجبٌ، وذاك وجود الرب عزَّ وجلَّ، وجائزٌ وذاك وجود غيره تعالى، والجائز محتاج في وجوده إلى الواجب.

فغاية ما تلزمونا به احتياج الرب سبحانه في وجوده إلى عدمٍ ما، يستحيل وجوده بدون إيجاد الرب سبحانه له، ولا حرج في هذا، بل ولا في بعض ما هو أشد منه، كأن يقال: إن الرب محتاج في ربوبيته إلى عدم وجود ربّ آخر يُنازعه.

فإن قلتم: فيلزم أن يكون عدم وجود الجائزات متقدمًا على وجود الرب.

قلنا: بل يكفي المعية، والربّ أزلي، وذاك العدم أزلي (3).

توسعة المسعى

(1) لم نجد هذا الفصل المشار إليه فيما وقفنا عليه من هذه الرسالة.

(2) كذا في الأصل بالرفع في اللفظين، وحقهما النصب.

(3) من قوله: "كأن يقال ... " إلى هنا تتمة اللحق الطويل الذي بدأ في (الورقة 50 ب)، لكنه جاء في (الورقة 51 ب).

· الجزء ١ · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٩٧