تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوجد في رأس جبل مرتفعٍ بيوتًا متهدمة قديمة على شكل أطلال يسمى الجبل "بيت الولي" فبنى له منزلًا في ذلك المكان بعد أن حصل على إذن من مالكه. وكانت المنطقة أرضًا زراعية يستفيد من زراعتها، فبنى هناك بيتًا ومسجدًا واستقرت به الحال.

وفي هذا المنزل والمسجد الجديدين كان يتقلّب والد الشيخ عبد الرحمن ما بين تعليم للأطفال والصلاة بالقرى المجاورة صلاة الجمعة والعيدين، وتعليم الصغار والزراعة حتى مات سنة 1361 هـ. رحمه الله.

وكان لوالد الشيخ تأثير جيد في نشأته، من حيث الاهتمام بتعليمه، وتربيته، ورعايته. وكان الشيخ المعلمي يكنّ لوالده حبًّا عظيمًا، كما صرح به في رسالة خاصة إلى أخيه أحمد، إذ قال: "وليس على وجه الأرض بعد سيدي الوالد - حفظه الله تعالى - من يسرني سروره أزيد منك".

وكان والده يتعاهده بالمكاتبات والرسائل، وكان الشيخ يهتم بها غاية الاهتمام، فلذلك أوصى أخاه أحمد - وقد أرسل إليه كتابًا من والده - بقوله: "واحتفظ بكتبه لا تضيع".

وكان الشيخ يتعاهد والده بالبر والصلة، فيرسل له بانتظام ما تيسّر له من المال يستعين به على شؤون الحياة، وقد يتأخر أحيانًا في الإرسال لظروف قاهرة تتعلق بالإرسال، ويظهر من رسائله التألّم لذلك، وربما أصابه القلق إذا تأخرت رسائل أبيه. وربما كان قلقه بسبب خوفه على أبيه من بطش الإِمام يحيى حميد الدين بسبب انضمام الشيخ المعلمي إلى الإدريسي وهو أشدّ خصوم الإمام وبينهما معارك ونزاع طويل.

يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه، وهذا كما ترى.

[ص 84] وإنما اشترطا ثبوت اللقاء؛ لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا, ولكنه لا يقتضي إهدار الدلالة الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء، ما دامت دلالة ظاهرة محصَّلة للظن، مستكملةً النصاب كما مر.

قد ألزمهما مسلم رحمهم الله عدم تصحيح المعنعن أصلًا؛ لأنه كما أن عنعنة من لم يثبت لقاؤه تحتمل عدم السماع، فكذلك من ثبت لقاؤه.

وأجيب: بأن احتمال السماع في الثاني أقوى.

ويردُّ: بأن احتمال السماع في الأول قويٌّ ظاهرٌ محصلٌ للظن، فلا عبرة بزيادة الثاني، إذ هي زيادة على النصاب، مع أن لنا أمورًا تجبر هذه الزيادة:

منها: قلة الإرسال الخفي في السلف.

ومنها: أنه أقبح وأشنع من التدليس، كما سيأتي.

فالثقة أشد تباعدًا عنه، تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذٍ بالمرصاد، بخلاف التدليس، فإنه أشد خفاءً على الناقد.

وأجيب أيضًا: بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء، اتهامٌ للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها له مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيه اتهامه بالإرسال الخفي فقط.

ويردُّ: بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليسٌ، منهم ابن الصلاح والنووي والعراقي، وقال: إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث.

نعم ذكر السخاوي في "فتح المغيث" (1) (ص 66): عن الحارث المُحاسبي ما يُظنّ خادشًا للإجماع حيث قال: "اختلف أهل العلم .. إلخ".

لكنه لا يصادم نقل مسلم؛ لاحتمال أن يكون راعَى خلافَ ابنِ المديني، ومع هذا فإننا لا نُقْنِع أنفسنا بالتمسّك بدعوى الإجماع، كما لا يَهُولُنا دعوى التحقيق في الطرف الآخر، بل نسعى لتحقيق البحث بأدلته الحقيقية على سورة مناظرة، مشيرين لمذهب مسلم رقم (1)، ومقابله برقم (2)، ونستوفي البحث بقدر الجهد، بحسب ما اطلعنا عليه من أدلة الفريقين، وما ظهر لنا أنه قد يُستدل به. والله المستعان.

[ص 118] (1) الأصل الثابت في الرواية أن يكون عما شاهده الراوي وأدركه، سواء أعَلِم السامع لقاءً للمروي عنه أم لا، وعليه فهذا هو الأصل والظاهر الذي يجب التمسُّك به حتى يتبين خلافه.

(2) ما دليلكم على ذلك؟

(1) نذكر أمثلة نوضحه بها:

أ - مصريٌّ زار اليمن، ثم عاد فأخذ يخبر عن فلان من علماء صنعاء أنه قال: كذا، وعن آخر من علماء زبيد، وثالث من علماء تعز، والسامعون لا يسمعون بأولئك العلماء، ولم يخبرهم أنه لقيهم، ولا أنهم أحياء.

ب - هنديٌّ زار الحجاز، ثم عاد، فأخذ يخبر عن فلان من علماء مكة، وفلان من علماء المدينة، وفلان من علماء الطائف، والسامعون كما تقدم.

ج - عالمٌ هنديّ أخذ يخبر بمثل الذي قبله، مع أن السامعين لا يعلمون أزار الحجاز أم لا؟

وأما أنّ النفس قد تسكن إلى المحال لكثرة سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا، فهذا لا ننكره، ولكننا نعلم أن تصديقنا بهذه المسألة ليس من هذا القبيل؛ لقيام الحجة عليه (1).

فقاطعهم الآخرون قائلين: جوابكم عن هذه الثلاثة الأوجه مداره على دعوى قيام الحجة القطعية عندكم، فلخِّصوا لنا أوضح حُججكم في ذلك لننظر فيها، ثم ننظر في جوابكم عن الوجهين الأخيرين (2).

قال الأولون:

الحجة الأولى: أنه قد ثبت بالبراهين القطعية أن الرب واجب الوجود، وأن المكان مخلوق مُحدَث، فقد كان سبحانه موجودًا قبل وجود المكان، فثبت أنه كان موجودًا لا في مكان.

الحجة الثانية: ما لا يتصور وجوده إلا في مكان فهو محتاج في وجوده إلى وجود المكان، وما كان محتاجًا إلى غيره في وجوده، فوجوده متأخر عن وجود ذلك الغير.

الحجة الثالثة: قد قامت الحجة على أن الرب قائم بذاته, فليس بعَرَض، فلو كان في مكان لكان جسمًا، والجسم إما حقير جدًّا، وهو الجزء المتناهي في الصغر الذي يسمى: الجوهر الفرد، وإما كبير، والجسم الكبير مركَّب من أجزاء، والمركَّب محتاج إلى جزئه, وهو غيره, والمحتاج إلى غيره ممكن لا واجب.

حقيقة الوتر ومسماه في الشرع

(1) (1/ 191).

(1) "عليه" ضرب المؤلف عليها سهوًا مع الكلام الذي كتبه أولاً ثم أخّره إلى موضع آخر.

(2) سيأتي الجواب عن الوجهين الأخيرين (ص 104 - 105).

· الجزء ١ · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٩٥