تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الرابع

أُسْرته

كان الشيخ المعلمي رحمه الله صاحب عناية تامة بأقاربه على اختلاف صلة قرابته معهم، وقد ظهر هذا جليًّا من خلال الوقوف على رسائله الخاصة مع أخيه أحمد، ومع أننا لم نقف إلا على بضع عشرة رسالة منها إلا أن فيها مادة جيدة توضّح هذه الخلة الحميدة، وسأشير إلى نماذج من ذلك:

فهو لا يزال يتعاهد أباه بإرسال ما يرتفق به من المال، سواء حين كان في الحضرة الإدريسية أو حين سافر إلى الهند، ولم يزل يتعاهد أباه برسائل متعددة.

وكذلك لم يزل يراسل أخاه أحمد منذ كان في الهند وحتى آخر حياته، وغير مستبعد أنه يراسل بقية إخوته لكن لم يصلنا خبر شيءٍ من ذلك. هذا مع ملاحظة أن المراسلات كانت تثقل عليه جدًّا ولا يجد نشاطًا لها (كما صرح بذلك مرارًا). وكذلك عنايته بأبناء إخوته، فقد استجلب عددًا منهم يوم كان مقيمًا بالهند، وحين استوطن مكة، وكان كثير السعي في مصالحهم، مع كثرة السؤال عنهم وعن أحوالهم، وكذلك باقي إخوته يَذْكر أحوالهَم ويعينهم بجاهه وماله حتى الغنيّ منهم إذا طلبه لم يردّ طلبه.

وكان أيضًا يتابعُ أحوالهم وإن بعدت الديار وشطّ المزار حتى أبناء أبناء إخوته لم يغفل عن العناية بهم، بل ذكر في بعض رسائله أنه سيطلب بعضهم ليكونوا عنده في مكة، وأنه يصل بعضهم بصلاتٍ مالية.

وكذلك اعتنى بتدريس جماعة من آل المعلمي وأَوْلاهم عنايةً خاصة،

[بحث شرط اللقاء]

[82] ولي بحثٌ في اشتراط اللقاء أحببت أن ألخِّصه هنا، فأقول:

الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، فتأمل هذا، وافرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين:

كأن تكون ببلدة، فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه، فيخبرك عن أناس من أهل تلك البلدة: أن فلانًا قال كذا، وفلانًا قال كذا، من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم.

ثم توسَّع في الأمثلة ولاحِظ أنها واقعة في عصر التابعين، حين لا برق ولا بريد ولا صحافة ولا تأليف، وإنما كان يُتَلقّى العلم من الأفواه، والناس مشمِّرون لطلب العلم، ولا سيما للقاء أصحاب نبيهم صلَّى الله عليه وآله وسلم. ثم لاحِظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه، إذا كانا متعاصِرَين. وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين من عدم اللقاء.

فإذا كان الحال ما ذُكِر، وثبت أن أحد المتعاصِرَين روى عن الآخر بلا تصريحٍ بسماع ولا عدمه، كان المتبادر السماع، فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كلَّ عام، فكيف إذا كان أحدهما ساكن أحد الحرمين، فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما؟ وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلدٍ قد زاره الآخر، فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا، فإنه يكاد يقطع باللقاء.

وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف، لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان أن فلانًا أخبره عن فلان، مثلاً، مع أن السلف كانوا

قلت: ذكرته استظهارًا؛ لأن نسخة "مسند أبي يعلى" التي نقلت عنها الحديث خطية، وكذا نسخة "جامع الزوائد".

****

[ص 115] حال القاسم بن مخيمرة

في "تهذيب التهذيب" (1) أول ترجمته: روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة ... إلخ. ثم ذكر بعد أسطر عن يحيى بن معين أنه قال: لم نسمع أنه سمع من أحدٍ من الصحابة. وفي آخر ترجمته: قال ابن حبان: "سأل عائشة عما يلبس المحرم".

[ص 116] أقول: لم أجد فرصةً لتفتيش كتب الحديث لتحقيق سماع القاسم بن مُخَيمرة مِن أبي سعيد رضي الله عنه، لكنه كان معاصرًا له قطعًا، فقد ثبت بما قاله ابن حبان أن القاسم أدرك عائشة إدراكًا بينًا، وقد كانت وفاتها سنة (57) فإدراكه لأبي سعيد بَيِّن واضح؛ لأن أقل ما قيل في وفاة أبي سعيد أنها سنة (63) وأكثره سنة (74)، ووفاة القاسم - على ما ذكر ابن سعد (2) - في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (100) تقريبًا (3).

...

الثالث: أننا وجدنا أكثر ما عندكم تقليد كبرائكم، وقد اعترف بذلك الغزالي إذ قال (1): [بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نُصرة مذاهبهم بطريق الأدلة، فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحُسْن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم].

فلعل ما يعرض للمتعمِّق منكم من السكون إلى موجود ليس في مكان إنما هو أثر من آثار التقليد والشبهات، والمُحَال إذا أكثر سماعه واعتياد التصديق به تقليدًا ربما تألفه النفس، فترى كأنها مصدقة به مطمئنة إليه.

الرابع: أنكم توافقون أن معرفة الله عزَّ وجلَّ واجبة على كل عاقل، ولو كانت المعرفة لا تحصل إلا بالتعمُّق في المعقولات لكان غالب الناس غير متمكنين منها.

فإن قلتم: قد قال قوم بأنه يكفي العامة التقليد.

قلنا لكم: قد اختلف عليهم الناس، فمَنْ يقلدون؟

على أننا قد فتَّشنا كثيرًا من المقلدين الذين يُظْهِرون القول بقولكم، فوجدناهم إنما يقولون ما لا يفهمون، أو ما لا يعتقدون، فإذا حوققوا تبين أنهم معنا في ذلك القول، غاية الأمر أنهم قد لا يجزمون جَزْمنا؛ لتوهمهم أن ذلك ربما يفقدهم أعز شيء عليهم وهو الدين.

سنة الجمعة القبلية

(1) (8/ 327).

(2) في "الطبقات": (8/ 419).

(3) انظر "تحفة التحصيل" (ص 414). وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 277) في الكلام على هذا الحديث: منقطع؛ لأن القاسم لم يسمع من أبي سعيد.

(1) ترك المؤلف مكان القول بياضًا، فأكملناه بما بين المعكوفين؛ فالظاهر أن هذا هو النص الذي أراد المؤلف نقله، بدليل أنه نقله في "التنكيل - القائد": (2/ 226).

وهذا القول في "المستصفى": (1/ 44)، وقد كرره الغزالي بنحوه في عدد من كتبه، انظر "المنقذ من الضلال": (7/ 33 - ضمن رسائل الغزالي)، و"إلجام العوام عن علم الكلام": (4/ 81 ضمن رسائل الغزالي).

· الجزء ١ · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٩٣