تمهيد
لا شكّ أن الله تعالى قد أبقى في العلماء في كل دهر بقيةً يبيّنون للناس دينَهم، ويحفظون أمر شريعته، ويكشفون ما أشكل على الناس منها، ويوضِّحون ما التبس من أحكامها، ويهدونهم إلي الصراط المستقيم، صراط الكتاب والسنة وسلف الأمة وأئمتها، ويردّون على أهل الضلال ضلالهم وعلى أهل الشُّبَه شُبَههم بأوضح الحجج وأجلاها.
وجعل الله تعالي في تلك الكوكبة من العلماء - كرمًا منه ومنّةً - مِن مَتانة الديانة، وجميل الأخلاق، والبعد عن زخارف الدنيا، ما أكسبهم جميلَ الذّكر. وجعل فيهم أيضًا من قوّة العلم والغوص على دقائق المعاني، وانكشاف الحقائق وحل المعضلات، ما مَهّد لهم القبول عند الناس، ليحصل كمال الانتفاع بعلومهم وديانتهم.
وإذا كنّا نعدُّ من هؤلاء العلماء المحققين في غابر الدهر العددَ الكثير والجم الغفير، فإنهم في العصور المتأخرة أقل من القليل، فإذا كانوا كذلك فواجبٌ على أهل العلم وطلبته، وأهل الإصلاح والتربية، وأهل البسطة في المال والسعة فيه أن يلتفتوا جميعًا لإحياء مآثر هؤلاء النفر من الأئمة والعلماء؛ وذلك بأنواع من الوسائل، كالتعريف بهم، وإبراز محاسنهم، وبثّ علومهم، والعناية بتراثهم، وتقريبه للناس، وتيسير الوصول إليه، وغير ذلك.
ومن هؤلاء العلماء المحققين في العصور المتأخرة: الشيخ الإِمام العلامة بقيّة السَّلَف عبد الرحمن بن يحيى المُعلِّمي العُتْمي اليماني، المولود سنة 1312 في اليمن، المتوفى سنة 1386 بمكة المكرمة رحمه الله تعالى.
التعريف برسالة العبادة
* أوّلاً: عنوان الكتاب:
اسم الكتاب كاملاً: "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله".
كذا ذكره المؤلف في مقدمة رسالة "حقيقة البدعة" (1).
وقد يختصره أحيانًا إلى "رسالة العبادة" (2)، وهو أكثر استعمالًا.
* ثانيا: تحقيق نسبة الكتاب إلى المعلِّمي رحمه الله:
ثمَّة أمور تؤكد ثبوت نسبة هذا الكتاب للمعلِّمي، من ذلك:
1 - أنه قلَّما يخلو كتاب من كتب المعلِّمي المطبوعة والمخطوطة من الإشارة إلى رسالته هذه، والإحالة عليها.
فمن ذلك كتابه "التنكيل" (3)، قال فيه عن رسالة العبادة: "هو كتاب من تأليفي، استقرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة وغيرها؛ لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله مما هو عبادة لغيره".
ويضيف إليها، بل يكتب نسخًا عدةً بغرض الوصول لنسخة منقحة، وما عثرنا عليه من أوراق الكتاب تدلّ أنه كتبه مرة واحدة، لكنه كان يكتب بعض المباحث مرتين، وربما أضاف بعض الفوائد أو المراجع التي لم يكن وقف عليها وقت تأليفه للكتاب كإحالته على "فتح الباري" لابن حجر، فإنا نرجّح أنه لم يكن بين يديه وقت تأليف الكتاب؛ لأنه ينقل عنه بواسطة ثم وقف عليه بعد ذلك وألحق الإحالة.
- سبب تأليفه
ذكر المؤلف في صدر كتابه أن مناسبة تأليف الكتاب: أن بعض الإخوان أطْلَعه على كتاب بعنوان "المسائل الثلاث" للشيخ أحمد بن محمد سوركتي، وطلب من الشيخ ثلاثة أمور:
1 - أن ينظر فيه ويقدِّر حيثية مؤلفه؛ لأن كثيرًا من المخالفين له آنذاك كانوا يجهِّلونه ويبدِّعونه. فطالعه الشيخ ووصف مؤلفه بأنه على مكانة من العلم والدين والفهم الصحيح في الكتاب والسنة، لا يُنكِر هذا إلا مَن كان ناظرًا من وراء حجاب الهوى والتقليد.
2 - وطلب منه السائل أن يبيِّن ما يجب التنبيه عليه في الكتاب المذكور، فذكر ملاحظةً حول رأي المؤلف في علة النهي عن الجلوس على القبور، وعقَّب عليه بما رآه راجحًا في ضوء الأحاديث.
3 - وطلب منه السائل أيضًا الكلام على تلك المسائل الثلاث، فاعتذر منه، ولمَّا لم يعذره شرع في كتابة ما تيسر مستعينًا بالله ومرجئًا البسط إلى وقت آخر.
التعريف بالكتاب في نسختيه
* أولاً: اسم الكتاب:
ترك المصنف عدة نسخ من هذه الرسالة (كما سيأتي الكلام عليها) ليس على شيء منها اسمٌ لا على صفحة العنوان ولا في مقدمة الكتاب. لكن وجدت المؤلف قد ذكر اسم الكتاب صريحًا في مسوّدة الكتاب ضمن المجموع رقم (4717) إذ قال في ص 4 ما نصّه: "يلحق برسالة عمارة القبور في الإِسلام". فهذا هو الاسم الكامل الذي وجدناه للكتاب.
ويؤيده ولا يناقضه أن المؤلف قد ذكره في كتابه الكبير "العبادة" في موضعين، وسماه هناك (عمارة القبور). قال في الموضع الأول: "وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا (عمارة القبور) " (1). وفي الثاني: "وقد عَثَرْتُ له على عِلَّةٍ قادحةٍ بيَّنتُها في رسالَتي (عمارة القبور) " (2). وعدم ذكر عبارة "في الإِسلام" لا يعدو أن يكون اختصارًا أو تخفيفًا كما جرت العادة بذلك.
وهذه التسمية لا نجزم أنها التسمية العَلَمية للكتاب، ولا أنها التي استقرّ المصنف على إطلاقها على كتابه؛ لأنه من عادة المؤلف أن يختار عنوانات مسجوعة لكتبه كما ذكرتُ في موضع آخر، ولأنه عادةً ما يُتسامح في تسمية الكتب إذا جاءت في غير صفحة العنوان أو مقدّمة المؤلف، فتُذكر بموضوع الرسالة أو يُختصر العنوان أو يُتصرّف فيه. ومهما يكن من أمر فإن ذِكر المؤلف له بهذا العنوان في ثلاثة مواضع قد قرّب لنا تسمية هذه الرسالة.
فالآية الأولى صريحةٌ في أن جميع ما في الأرض [مخلوق] (1) لبني آدم. وإذا كان لهم، فهو مباح لهم. ففي الآية عموم الإباحة، فهي الأصل، وتحريم بعض ما في الأرض تخصيصٌ لهذا العموم، فلا يُصَار إليه إلا بدليل.
ونحوها الآية الثانية.
وكذا الحديث الأول، فإنه لو كان الأصل الحَظْر لكان الظاهر أن يقول: "عن شيءٍ قد أبيح" كما هو واضح.
والحديث الثاني ظاهرٌ، والمراد بـ "كتاب الله" فيه حُكْمُه، أو القرآن، وما السنةُ إلا تفصيل لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] ونحوها.
[ص 6] فتقرر أن أمور الدين توقيفية، أي أنه ليس لأحدٍ أن يتديَّن بشيءٍ إلا إذا ثبت بكتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم. وهذه كُلِّية لا تُنْقَض بالنسبة إلى المقاصد.
فأما الوسائل فهي على نوعين: وسيلة لا يمكن أن يؤدَّى المقصدُ إلا بها، وهذه لا كلام فيها. ووسيلة يمكن أن يؤدّى المقصدُ بها، ويمكن أن يؤدّى بغيرها.
فهذا النوع يُنْظر فيه إلى الوسيلة التي أُدّيَ بها المقصد في حياته
سيأتي إن شاء الله بيان الخلاف فيه، وأن الراجح أن قائلي ذلك هم أهل الشرك.
رابعًا: قوله: "وهذا اتخاذ مسجد على قبر".
وفيه ما مرّ؛ أن القوم لم يتحققوا موت الفتية حتى يصح أن يكون لهم قبر، ولو صح موتُهم فلم يكن لهم قبر، وإنما كانوا في صحن الكهف.
ومع هذا، فإنه على الاحتمال الراجح أن الواقع هو إحدى الصور الثلاث، فواضحٌ أن بناء المسجد لا يكون داخل الكهف، وكذا على الاحتمال المرجوح أن الواقع هو إحدى الصورتين الأخريين؛ لأنه يمتنع أن يهموا ببناء مسجد محتوٍ على جثث الفتية بارزة، والكهوف وإن كانت أكبر من الغيران، فالغالب أن تكون صغيرة لا تسع بناءً كبيرًا، كبناء يشتمل على جثث تسعة أشخاص، مع بناء مسجد فوق ذلك البناء يتسع للمصلين (1).
[ص 15] ثم اعلم أن "على" في الآية في الموضعين لا تصلح لمعناه الحقيقي، وهو كون المستعلي فوق المستعلى عليه، محمولًا عليه، وكذا أن يكون مُسامتًا له من فوق في الهواء، بحيث لو سقط سقط عليه، فما بقي إلا الاستعلاء المجازي بأحد الأوجه الآتية:
إما بأن يكون المستعلي مجوفًا ينطبق على المستعلى عليه، كالجفنة على البيضة.
وإما أن يكون مستديرًا عليه، كالسور على المدينة.
وإما بأن يكون بمعنى: سدًّا لمنفذ. تقول: بنيت على الضبع جدارًا، إذا
المبحث الثالث: فيما بين هذه الأوجه من التلازم والتنافي.
المبحث الرابع: في نفي المماثلة.
وبه ينتهي ما وُجد من الكتاب.
ثم ألحقتُ الكتاب بنصٍّ جاء في (ق 41 ب - 42 ب) وقد كتب المؤلف فوقه: "هذا مع الورقة الآتية يؤخَّر إلى بحث توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى" إلا أن هذا المبحث لم نقف عليه فيما وُجد من الرسالة، فلا ندري أكتبه المؤلف أم لا؟ فألحقته في نهايتها للفائدة.
* وصف النسخة
للكتاب نسخة واحدة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم [4666] وتقع في 62 ورقة في دفتر مسطّر من القطع العادي، وهي بخط مؤلفها المعروف. وهي نسخة مسوّدة كثيرة الضرب واللحق والتخريج، كتب المؤلف عنوانها في رأس الصفحة الأولى: "دين العجائز أو يُسر العقيدة الإسلامية" ثم بدأ بالبسملة فالمقدمة، وتنتهي الرسالة عند قوله: " ... هي الحاصلة على الوجه الأول".
والحمد رب العالمين.
سقط، وإذا فكرت رأيت أنه لعدم تمكُّنه، كان مِن مدّة بسبب ثقله وعدم تمكُّنه يميل إلى الجهة التي سقط منها قليلاً قليلاً حتى سقط في ذلك الوقت.
وإذا كان شيء معلّقًا بخيط ضعيف، فانقطع، وفكّرت، رأيتَ أن الخيط كان بسبب ثقل ما عَلِق به تَهِنُ قواه، وتتقطع شيئًا فشيئًا إلى أن انقطع.
وإذا كان إناء فيه طعام، وهو متمكِّن في موضعه، فجئتَ وقد سقط، ظننتَ أن فأرة أو هرة أو نحوهما وثبت إليه فأسقطته.
وإذا كان إناءُ طعام خفيف قد أُخِذَ من فوق مائدة، ووُضِع فوق مائدة أخرى بعيدة عنها، وكان في البيت أو جواره قِرْدٌ يمكن أن يكون دخل تلك الحجرة، جوَّزتَ أن يكون هو صنع ذلك.
وإذا كان صندوق ثقيل، كان موضوعًا بالأرض، فحُوِّل عن موضعه إلى موضع آخر، رأيتَ أن إنسانًا دخل فصنع ذلك، وتَعْلَم مع ذلك أن ذلك الإنسان حي له قدرة على مثل ذلك الفعل.
فإذا كانت عدة أشياء كانت في الحجرة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتَّبَت ترتيبًا أحسن وأتقن مما كانت= علمتَ أن ذلك الإنسان حكيم أيضًا إلى الحدِّ الذي يقتضيه ذلك الترتيب.
فإذا كانت الحجرة مُحكمة الإغلاق من داخل وأنتَ خرجتَ منها، ووقفت قريبًا من الباب، وتعلم أنه لا يمكن أن يكون دخلها إنسانٌ بعدك، ثم عدتَ إليها فوجدتَ الأمتعة قد حُوِّلت عن مواضعها ورُتِّبت ترتيبًا آخر أبْدَع وأتقن مما كان، فإنك تُجَوِّز أحدَ أمرين:
- إما أن إنسانًا له قدرة خارقة دخل إلى الحجرة من حيث لم تَجْرِ العادة بدخول الإنسان.
تلك النصوص كذبٌ ولا إضلالٌ ولا جهلٌ.
وبيَّن أنَّ سبب ضلال هؤلاء المؤوِّلين أمور:
1 - قِلَّة حظِّهم من معرفة الكتاب والسُّنَّة.
2 - تقديسهم الفلاسفة فوق تقديس الأنبياء.
3 - تحميل عقولهم ما لا تحتمل من دعوى إدراك كُنْه كل الأشياء، وعدم وقوفهم عند الحدِّ الذي يقدرون عليه من المعرفة والعلم.
ثم استطرد في بيان هذا الأمر الثالث، وذكر قصور العقول وخطأها في كثير من الأمور، واعتماد عقول أربابها على الاستقراء للمحسوسات، ونفيها لما لم تدركه، مع العلم أنَّ العقل الإنساني قاصر ومتفاوت الإدراك، واختلافُ أرباب مدَّعيه وتخطئة بعضهم بعضًا يدلُّ على ذلك.
ثمَّ بيَّن أنَّ من صفات الله ما لا شبهة فيه لمَن أنكره أصلاً، وأنَّ منها ما لم تكن فيه شبهةٌ إلاَّ لمَن اطَّلع على كلام الفلاسفة.
ولمَّا كان بحثُ المؤلِّف رحمه الله في مسألة التأويل استدعى منه ذلك تفصيل القول في المتشابه والمحكم، وتحقيق الكلام في معنى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7].
وتضمَّن ذلك كلامه رحمه الله على المتشابه وأنَّه لا يعلم معناه أحد إلاَّ الله تعالى، وبيان معنى الرسوخ في العلم، والعلامات التي يفرَّق بها بين الزائغ والراسخ في العلم.
بعضهم وتحقيق معناها". وهكذا استطال الكلام، واستغرق نصف صفحات الرسالة. وكان للشيخ عز الدين بن عبد السلام النصيب الأوفر من هذه المناقشات، فإن كتابه "مجاز القرآن" (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) كان بين يدي المؤلف، فنقل ما كتبه في هذه المسألة، وردّ عليه أكثر ما قال.
هذه الرسالة محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف ضمن مجموع رقمه 4693، ومنه مصورة برقم 3593. المجموع في 50 ورقة غير مرقمة، ورسالتنا في آخره في الأوراق 42 - 49. وفي كل صفحة منها نحو 32 سطرًا. وهي مبيضة، ولكن المؤلف تناولها في مواضع كثيرة بالضرب والتصحيح والإلحاق.
وقد وجدنا بعد تحقيق هذه الرسالة رسالة أخرى ضمن مجموع سيأتي وصفه، فسَّر فيها المؤلف البسملةَ مع سورة الفاتحة دون فاصل بينهما، فكأنه اعتدَّها آية من الفاتحة.
وهي مسودة تكلَّم فيها أولاً على الباء والاسم في "بسم"، وتعرض لمسألة الاسم والمسمى، ولكنه كلام مختصر. وقد بسطه في المبيضة غاية البسط، وبالغ في تفصيله وتنقيحه، وقد ذهب كلامه على المسألة بعُظْم الرسالة كما رأينا.
ثم فسَّر "الرحمن الرحيم"، ولكنه لم يتمّ الكلام وضرب على ما كتبه.
ثم كتب أربعة فصول لم يتناول معناها في المبيضة. أولها - وهو طويل - في تعجرف المشركين في شأن الاسم الكريم "الرحمن"، إذ قالوا لما
1332، وهي أشهر مجمع علمي في شبه القارة الهندية، وقد أخرجت كتبًا نفيسة كثيرة باللغة الأردية في السيرة والتاريخ والتراجم والأدب.
وتوفي رحمه الله في تاسع عشر جمادى الآخرة سنة 1349 على إثر عملية جراحية.
وكان رحمه الله في أخلاقه مثالاً للسلف الصالح، فقد أجمع الذين جالسوه وعاشروه من شيوخه ومعاصريه على ورعه، وزهده في الصيت والسمعة، وتجنبه فضول القول وسفاسف الأمور. وكان غاية في اتباع السنة، والمحافظة على الصلوات، والغيرة على الدين، والحمية لشعائر الإِسلام. وكان راتبه عاليًا، فيذهب جزء كبير منه في الإنفاق على الأقارب وذوي الحاجات، وقسم منه لشراء الكتب المطبوعة في مصر وأوربا.
وقد انفرد المعلَّم رحمه الله من بين معاصريه من علماء الهند بأنه أول مَن تلقَّى الثقافة الغربية من موردها، فاتقن اللغة الإِنجليزية، ودرس العلوم الحديثة فيها، ثم حاضر بها وألّف، فله رسالة مطبوعة باللغة الإِنجليزية في الرد على عقيدة النصارى في الشفاعة والكفارة. ومعرفته للغة الإِنجليزية قد فتحت له بابًا واسعًا للاطلاع على كل ما صدر فيها مما يهمّه من كتب الأدب والشعر والبلاغة والفلسفة وتاريخ اليهود والنصارى وما كتبه المستشرقون عن القرآن الكريم والعلوم الإِسلامية.
وقد تعلم اللغة العبرانية يوم كان أستاذًا في كلية عليكره، فنظر في صحف أهل الكتاب المتداولة وقرأها بالعبرانية. وقد أعانه ذلك على الكشف عن تحريفاتهم وتفسير بعض الإشارات الواردة في القرآن الكريم في الرد على اليهود مما يخفى على غير المطلع على كتبهم.
[الباب الأول] (1): النظر في خطبة الكتاب وما للكوثري فيها من الوهم (7 - 26).
الباب الثاني: النظر في أجوبة الكوثري على ما أورده في الطليعة، وذكر ما وقع في كل فرع على حدة. (27 - 81).
مقارنة بين "تعزيز الطليعة" و"شكر الترحيب":
كلتا الرسالتين ردٌّ على رسالة الكوثري "الترحيب بنقد التأنيب"، فموضوعهما إذًا واحد، وكلتاهما قد قسمهما المؤلف إلى مقدمة وبابين.
أما المقدمة في كلتا الرسالتين فقريبة المادة، وإن كانت مقدمة "شكر الترحيب" أبسط في شرح ظروف وملابسات طباعة "الطليعة".
أما من جهة الفرق بينهما؛ فإن "التعزيز" مناقشة كليّة لمقاصد الكوثري وأخطائه وما يترتب على القول بها من مخاطر على السنة. وذلك واضح من عنوانات فصول الباب الأول من الرسالة التي سقناها سابقًا (ص 7 - 8)، أما الباب الثاني فهو في ذكر قواعد خلّط فيها الكوثري فردّ على تخليطه، وحرر القول فيها وحققه، وذكر فيه أربع قواعد.
أما "شكر الترحيب" فهو تتبع لكلام الكوثري وجواب عنه بحسب سياقه له في كتابه، فنظر المؤلف أولاً في خطبة كتابه، يسوق كلامَه ويعلّق عليه بقوله: "لا أوافق" ويشرح مقاصده، أو يوافقه عليه، ويشرح غرضه. هذا في الباب الأول، أما الثاني، فتتبّع المعلمي جواب الكوثري عن الأمثلة التي
ومع ذلك، لم أكن أواصل العمل، وربما يمضي الشهر وأكثر لا أنشط لكتابة شيء، وأنا إلى الآن لم أكمل قسم العقائد. هذا هو الواقع، أحوجني الأستاذ إلى شرحه, وإن كان لا تتعلق به فائدة" اهـ.
فهذا فيه دلالة واضحة على أنه بدأ به في أواخر شهر ربيع الثاني سنة 1366 هـ، وأرسل "الطليعة" للطبع سنة 1368 هـ وطبعت في تلك السنة، وكان قد أتمّ الكتابَ إلا القسم الأخير منه المتعلق بالعقائد بقيت فيه بقية.
وهذا يدلّنا على الوقت الذي استغرقه في تأليف الكتاب، إذ يكون أقل من سنتين، مع عمله الوظيفي في دائرة المعارف، والانقطاعات التي أشار إليها التي قد تمتد إلى أكثر من شهر.
وفي هذا دليل على قوة المؤلف العلمية واكتمال ملَكَة الاجتهاد لديه في العلوم المختلفة، وقُدرته على البحث والمطالعة والجَلَد عليهما.
* أقسام الكتاب، ومنهج المؤلف فيها
ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه قسمه إلى أربعة أقسام، هي:
القسم الأول: القواعد.
القسم الثاني: التراجم.
القسم الثالث: الفقهيات (البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضيّة).
القسم الرابع: العقائد (القائد إلى تصحيح العقائد).
وسنتكلم على كل قسم منها، ومنهج المؤلف فيه فنقول:
خبايا، وأن الله تعالى قد أبقى للسنة والحديث خُدّامًا وحُرّاسًا، فقد نَهَض للردّ على أبي رية في كتابه هذا جمعٌ من أهل العلم بُعيد صدور كتابه بقليل، فكتب الشيخ محمَّد محمَّد أبو شهبة مقالات في "مجلة الأزهر"، ثم أصدر كتابًا سماه: "دفاع عن السنة والردّ على شبهات المستشرقين والكُتَّاب المعاصرين"، وكتب الشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة كتابًا سماه: "ظلمات أبي رية أمام أضواء السنة المحمدية"، وكتب الدكتور مصطفى السباعي ردًّا ضمن كتابه "السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإِسلامي". وكتب الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني "الأنوار الكاشفة ... " فكان ردّه واسطة العقد، ونهاية التحقيق.
وقد طبع كتابنا هذا "الأنوار الكاشفة ... " في حياة مؤلِّفه سنة 1378 هـ في المطبعة السلفية ومكتبتها لمحبّ الدين الخطيب، وأعيد تصويره مرارًا. وها هو اليوم يظهر ضمن هذا المشروع المبارك في حلة قشيبة تليق به وبمكانة مؤلفه.
وقد قدمت بين يدي الكتاب عدة مباحث تتعلق بالتعريف بالكتاب وهي:
- اسم الكتاب.
- تاريخ تأليفه.
- سبب تأليفه.
- أهم الموضوعات التي ناقشها الكتاب.
- منهج المؤلّف وطريقته في المناقشة والتقرير.
4 - ثم يذكر غالبًا كلامَ أربعة من الأئمة وهم البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وصاحب "تهذيب التهذيب".
5 - أما كلام الأئمة الثلاثة فيذكر منه - غالبًا - اسم الراوي ومن روى عنه وعمن روى، وذلك بالقدر الذي يميّز الترجمة عن غيرها، ويثبت أن هذا الراوي لم يرو عنه إلا واحد، فيدخل في شرط الكتاب.
6 - ثم ينقل عن "تهذيب التهذيب" - غالبًا وقد ينقل عن غيره - ما قيل في الراوي من جرح أو تعديل، ثم يذكر المؤلف الحديثَ الذي رواه هذا الراوي، وينظر هل له متابعات أو شواهد، فيذكرها، وهل في متنه نكارة أو له ما يشهد له من الأحاديث أو الأصول العامة، حتى إن كان الحديث طويلًا أو يحوي ألفاظًا عدة فإنه يذكر ما يشهد لكل لفظ منها، وإن كان في بعضها نكارة بيَّنها.
7 - وقد كان المؤلف في أوائل تراجم الكتاب بعد أن يذكر كلام الأئمة ويناقش الحديث الذي تفرّد به أو الأحاديث التي رويت عنه = يذكر الخلاصةَ بقوله: "فحاصل حال فلان ... " ويذكر ما تحصّل له في حاله في عدة نقاط كقوله - مثلًا - في أول ترجمة: "فحاصل حال ... ليس بثقة". لكنه لم يستمر على هذا المنوال إلا في تراجم قليلة.
8 - سار المؤلف على هذا النهج في عموم تراجم الكتاب، وما قد يلاحظه القارئ مما يخالف هذه الطريقة إنما سببه أن الكتاب لم يزل في مسوّدته، ولم يستوف المؤلف تحريرَه ولا الاطراد في كتابة تراجمه.
إسحاق وهكذا. كما في (6، 7). وكذا في اسم غالب حيث ذكره ثم ذكر عيسى ثم عاد إلى غالب رقم (221 و222).
2 - قد تقع بعض الأسماء في غير حروفها، كما وقع لاسم (76 أسيد) فقد وقع بين حرفي التاء والثاء. وكما وقع في اسم (55 بهز) ذكره في حرف الألف.
3 - أحيانًا يذكر الأسماء في حرف، ثم يدخل في حرف آخر، ثم يعود للأول كما في حرف (د، ر).
4 - قد يعيد الترجمة مرتين كما في ترجمة إبراهيم الهروي، فقد ذكره مرتين، انظر رقم (25 و50). وترجمة إبراهيم بن مهاجر فقد ذكر برقم (30 و67). وقد يعيد الترجمة ثم يشير إلى تقدمها انظر ترجمة غالب بن حجرة (ص 146).
5 - استقرَّ ترتيب الكتاب في الجملة غير أنه عاد فوقع في آخره بعض الاضطراب، فبعد ما انتهى إلى الكنى عاد إلى حرف الياء، ثم عاد إلى الكنى, ثم ختم بترجمتين من "الميزان" و"لسانه".
أقول: وسبب هذا الخلل في الترتيب أن الكتاب لا يزال مسوّدة لم يبيّض بعد. وسبب آخر هو أن المؤلف كان يقرأ في "التهذيب" فينتخب بعض التراجم ثم يعود إلى "الميزان" فينتخب أخرى فيكتبها ولا تكون في ترتيبها المعجميّ. وسبب ثالث أنّه بعد أن يفرغ من الحرف قد يعود إلى الحرف الذي قبله لمناسبة معينة أو إعادة تصفّح؛ فيرى ما هو جدير بالانتخاب فيذكره في غير مكانه. وكان في النية أن أرتّب التراجم على
والرسالة لم يصلنا منها إلا هذا القَدْر، وتنتهي عند قوله: "من الإسناد رجل أو نحو ذلك". وهذا القدر لا يمثل إلا نحو الربع كما سلف.
****
2) رسالة في أحكام الجرح والتعديل:
هذه الرسالة لم يسمها مؤلفها بهذا الاسم، ولكنا أخذناه من قوله: "وقد عنَّ لي أن أجمع رسالة في أحكام الجرح والتعديل ... ".
وكان غرض المؤلف منها أمرين، الأول: حل مشكلات الفن. الثاني: تيسير طرق الاجتهاد في هذا الفن، ليتمكَّن العالم من الحكم على الرواة بنفسه بالحجة والدليل.
لكن القَدْر الذي وصلنا من هذه الرسالة ناقص الأول والآخر، مشوّش الترتيب، وهي تقع بحسب ما وصلنا ضمن مجموعة أوراق للشيخ فيها مسائل عدة (تصحيح الكتب، وبحث إعادة الصلاة، والكلام على الفاتحة، وهذه الرسالة).
وهي تبدأ من الورقة 25 ب (1)، فقد وضع المؤلف خطًّا في الثلث الأخير من الورقة وبدأ بقوله: "هذا وضبط الخبر وإتقانه يحتاج ... " وكان قبله قد كتب سطرًا وضرب عليه. وهذه البداية تدلّ على أن هناك كلامًا سبق لكن لم نجده ضمن هذه الأوراق.
ويستمرّ الكلام متواصلًا في موضوع الضبط إلى ص 28، ثم تبدأ
ويقول في آخر رسالته في عدم إدراك الركعة بإدراك الركوع: "لا يُنكَر أن للقول بالإدراك قوَّةً مَّا لذهاب الجمهور إليه، فلا لومَ على مَن قوِي عنده جدًّا فقال به. فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها".
ويقول في قيام رمضان: "أما الحدّ المحتَّم فلا، وأما الأفضل فالاقتصار على الإحدى عشرة، وفي بعض الليالي ثلاث عشرة، إلا إذا شقَّ عليهم إطالتها حتى يستغرق الوقتَ الأفضل، فلهم أن يزيدوا في العدد، على حسب ما يخفُّ عليهم، وعلى هذا جرى عمل السلف".
وبمثل هذه الآراء النيَّرة يُنهي كتاباته في المسائل الخلافية، فهو مع ترجيحه لرأي معيَّن يجعل الأمر واسعًا، فلا يتعصب لمذهب ولا يتشدد في الدفاع عنه. وقد كانت نشأة الشيخ على المذهب الشافعي، وله اطلاع واسع على نصوص الإِمام الشافعي في كتاب "الأم"، وأقوال الشافعية في كتب الفقه، إلاَّ أن ذلك لم يمنعه من مناقشة الإِمام وأصحابه في بعض المسائل، مثل سنة الجمعة القبلية، حيث خالف المذهب وناقش الأصحاب، وردّ على جميع ما استدلوا به. وقال في آخره: "مَن كان منكم يحبُّ ثبوتها انتصارًا لمن أثبتها من العلماء فهذا غرض آخر، ليس من الدين في شيء. والعلماء مأجورون على كل حال، وليس في المخالفة لهم تبعًا للدليل غضاضةٌ عليهم، إذ ليس منهم من يُبرَّئ نفسَه عن الخطأ ويدَّعي لنفسه العصمة. ومَن كان منكم يحبُّ ثبوتها لكونه من المقلدين للمذهب القائل بثبوتها، فهذا لا ينبغي له أن يُعوِّل على ثبوتها من حيث الدليل وعدمه, لأنه مقلِّد لا يَسأل عن حجة، ولا يُسأل عن حجة، فهو ملتزم لقول من قلَّده. فإن تاقت نفسُه إلى
الخامس: ما أُجمِع على صحته أو تُلُقَّي بالقبول أو أُجمِع على الحكم الذي يدلُّ عليه.
السادس: أن يخبر إنسان بخبرٍ بحضرة قومٍ لو صدَّقوه حصل العلم بصحة الخبر، ولكنهم سكتوا، ولا حاملَ لهم على السكوت عن تكذيبه لو كان كاذبًا.
السابع: بقاء الخبر مع توفُّر الدواعي على إبطاله.
ذكر المؤلف هذه الأنواع، ثم عقَّب على كلام الأصوليين فيها بما يوضّحه أو يقيّده أو ينقده. وقد فصَّل في موضوع الإجماع تفصيلاً حسنًا، وتكلم على حججه وأنواعه. وذكر عن الأمر السابع أن قاعدته واهية، لأن توفّر الدواعي على الإبطال وإن اقتضى أن تعِزّ رواية الخبر فلا يقتضي أن كلَّ خبر يُروى صحيحٌ، فضلاً عن أن يكون مقطوعًا به.
ثم عقد فصلاً في الكلام على قول جماعة من العلماء: إن أحاديث الصحيحين تفيد العلم لأنّها تُلقِّيت بالقبول، عدا أحاديث انتقدها عليهما بعض الحفَّاظ. وقد تحرر للمؤلف أن أحاديث "صحيح البخاري" على أربعة أضرب، وأن الضرب الأول منها هو الذي احتاط له البخاري، فهو الذي يصح أن يقال: إن أئمة الحديث الذين اطلعوا على الكتاب أجمعوا على صحته إلا ما انتقده بعضهم. وأما الباقي فغاية ما هناك أنهم أجمعوا على أنه صالح لموضعه الذي ذكر فيه، أعني المتابعات والشواهد وفضائل الأعمال والعواضد ونحوها. ويقاس عليه "صحيح مسلم".
وسوف أتعرض هنا لبعض جهود الشيخ المعلِّمي رحمه الله في علوم العربية، وذلك بثلاثة أمور:
الأول: مؤلفاته.
الثاني: تحقيقاته لكتب العربية.
الثالث: نماذج من كلامه في المسائل اللغوية مع ذكر بعض ترجيحاته.
أولاً: مؤلفاته:
1 - اللطيفة البكرية والنتيجة الفكرية في المهمات النحوية.
2 - طرائف في العربية.
3 - الحقائق النحوية.
4 - مختصر شرح ابن جماعة على القواعد الصغرى لابن هشام.
5 - نظم قواعد الإعراب الصغرى.
6 - تلخيص الثمرات الجنية في الأسئلة النحوية للشيخ محمَّد جمال بن محمَّد الأمير المالكي (غير كامل).
7 - تعليقات على متن الأجرومية (غير كامل).
8 - اختصار كتاب درة الغواص للحريري.
9 - مختصر متن الكافي في العروض والقوافي.
10 - مقالات متنوعة في النحو واللغة وبعض الإعرابات والمسائل المشكلة، وأنظام لغوية.
وقدَّم له بمقدمة علمية، وقام بفهرسة الشعر والشعراء في آخره، وقد طبع الكتاب سنة 1368 - 1369/ 1949 - 1950 م في مجلدين.
ولا يخفى أن مراجعة كتاب مثل "المعاني الكبير" (الذي يحتوي على الشعر الغريب وشرحه) والتعليق عليه يتطلَّب اطلاعًا واسعًا على مظانّ هذا الشعر في كتب اللغة والأدب وشروح الشواهد، ولا يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها إلاَّ بصنع فهرس الشعر المتناثر فيها. وقد كان المعلمي رحمه الله أعدَّ لذلك عدَّته من قبل، فصنع لنفسه هذا المعجم، واستفاد منه كثيرًا في مراجعة "أمالي اليزيدي" و"المعاني الكبير" كما يظهر من تعليقاته وإحالاته إلى "خزانة الأدب" وكتاب العيني وغيرهما. وأرجِّح أنه عمل هذا الفهرس خلال السنوات 1357 - 1364/ 1938 - 1945 م في فترات مختلفة، وتوقف عن فهرس شواهد "لسان العرب" لما علم بظهور فهارس اللسان للأستاذ عبد القيوم في لاهور سنة 1938 م.
ونظير هذا الفهرس فهرس آخر عمله الشيخ لمواد سبعة كتب من المؤتلف والمختلف قبل الإقدام على تحقيق كتاب "الإكمال" لابن ماكولا (ت 487) الذي طبع المجلد الأول منه سنة 1962 م، ويوجد هذا الفهرس في مكتبة الحرم المكي برقم [4917] (81 ورقة).
* منهج المؤلف فيه:
أراد المؤلف في هذا المعجم أن يفهرس الشعر الموجود في أهم كتب النحو واللغة وشروح الشواهد، فاختار أولًا ستة كتب، وهي: "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادي (ت 1093)، و"المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" للعيني (ت 855)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي (ت 911)، و"أمالي ابن الشجري" (ت 542)، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي، و"كتاب سيبويه" (ت 180).
إلى اشتداد الحر ومراعاةً لجانب السيد وأبناء عمه وأعوانه الذين كانوا يتأذون بالحر مع الزحام، بل يبدو لي أن هذه الرسالة قد كتبت بإيعاز من السيد، والله أعلم. وأيًّا كان الأمر، فإننا إذا وزنّا خطب الشيخ بميزانه هذا، لم نجد منها ما يقارب سورة الفجر إلا ثلاث خطب (15، 28، 55)، بل الخطبة (40) ختمها الشيخ بتلاوة سورة الفجر كاملة، وهي ثلث الخطبة أو أكثر.
2) نسج الشيخ خطبه على منوال خطب ابن نباتة، بل نجد خطبة كاملة (38) أخذها الشيخ من خطب ابن نباتة، وتناولها بشيء من التصرف في ألفاظها وجملها، ثم أضاف إليها قبل ختمها بآية من القرآن الكريم حديثًا في فضل ليلة النصف من شعبان. فهذه الخطبة التي ألقيت في شهر شعبان، وأظن أنها من أوائل خطبه، قد اتخذها الشيخ فيما بعد مثالا يحتذيه في خطبه مع بعض الإضافات. وهي أن ابن نباتة لا يورد في خطبه نص الحديث بل يدخله ضمن كلامه، أما الشيخ فقد جعل للحديث في خطبته موضعًا معيَّنًا، وكتب بخط بارز كلمة "حديث"، ثم التزم إيراد حديث أو أكثر بنصه.
والأمور التي تابع الشيخ فيها ابن نباتة: موضوعات الخطبة، وكثرة الجمل الإنشائية، وعدم التمثل فيها بالشعر إلا في خطبة واحدة سيأتي ذكرها، والتمهيد لتلاوة الآية في الخاتمة بمثل هذه العبارة: "هذا، وإن أبدع الكلام نظما ... كلام من وسع كل شيء رحمةً وعلمًا، والله تعالى يقول". هذه العبارة لابن نباتة، وقد كررها الشيخ في الخطبة (53) ثم تفنن كابن نباتة في صياغتها بطرق متنوعة.
3) رتب الشيخ خطبه عمومًا على الوجه الآتي.
وفي فصل تجده في المسودة الثانية ذكر الشيخ أن تحت يده الآن للتصحيح كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم. وقد حقق الشيخ كتاب "تقدمة الجرح والتعديل (وأرَّخ مقدمته في 23 شوال سنة 1371) والمجلدين الأول والثاني والقسم الأول من المجلد الرابع، وكلها طبعت في سنتي 1371 - 1372 (1952 - 1953 م)، فلا شك أن تحقيقها قد تم قبل ذلك، وربما في سنتي 1369 - 1370 (1950 - 1951 م).
ولما ذكر الشيخ في المبيضة مراحل المقابلة وتصحيح التجارب قال: "والعادة في مطبعتنا" يعني: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، وهذا يدل على أنه بيَّض الرسالة وهو في حيدراباد. وقد وصل الشيخ إلى مكة المكرمة سنة 1371 (1952 م). وأنت خبير أيضًا بأن كتاب الأستاذ عبد السلام هارون "تحقيق النصوص ونشرها" صدر سنة 1954 م.
وتبيَّن من هذا التفصيل أن رسائل الشيخ هذه من أول ما كُتِب باللغة العربية في فن التحقيق، وأن الشيخ المعلمي رحمه الله أول عالم أفرد كتابًا في أصول هذا الفن. ورسالته المبيضة مع عدم تمامها قد عالجت المسائل التي هي من لبِّ الموضوع وصميمه معالجة علمية دقيقة منظمة. وقد ألحقنا بها المسودتين لاشتمالهما على فصول وفوائد وأمثلة لا تجدها في المبيضة، وإن أدى ذلك إلى بعض التكرار.
سمَّى الشيخ مسودته الأولى "أصول التصحيح"، أما المسودة الثانية والمبيضة فلم يضع لهما عنوانًا، فسميتهما "أصول التصحيح العلمي". وقد آثر الشيخ "التصحيح العلمي" على مصطلح "التحقيق"، فقال في المبيضة: "اصطلح المصريون أخيرًا على تسمية التصحيح العلمي "تحقيقًا" تمييزًا له
نماذج من النُّسخ الخطية
ووجدت أيضًا مسوّدةً لمقدمة الجرح والتعديل في مكتبة الحرم المكيّ الشريف برقم 4660، لكن وضع لها المفهرِس عُنْوانًا يُبعد الناظر عن معرفة حقيقتها، وهو "أصول الرواة" في (18 (صفحة بخط المؤلف المعروف. وإنما هي مقدمة الشيخ لتحقيق كتاب الجرح والتعديل. والنص في المسوّدة مغاير في كثير من المواضع للمطبوع زيادة ونقصًا، فلم يكن من المفيد مقارنتها بالمطبوع.
والحمد لله رب العالمين.
وكتب
علي بن محمد العمران
مكة المكرمة 21 صفر 1432 هـ
aliomraan@hotmail.com
(1) ضمن مجموع رسائل العقيدة، ص 87.
(2) المصدر السابق ص 108 - 113 أحال فيها على رسالة العبادة أربع مرَّات، وانظر: رسالة "تفسير سورة الفاتحة", فقد أكثر فيها من الإحالة على رسالة العبادة، فقد وجدت في ص 90 - 92 منها ستَّ إحالات إلى رسالة العبادة.
(3) التنكيل 2/ 435 - ضمن هذه الموسوعة، وانظر: الحاشية السابقة أيضًا.
(1) (ص 729).
(2) (ص 815).
= محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا. قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمَّد بن عاصم ذاهب الحديث" اهـ.
وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أبو داود رقم (3800).
(1) بعد "الأرض" بياض بمقدار كلمة, والسياق يناسب مع أثبتّ.
(1) هذه نهاية ص 10 بترقيم المؤلف، ثم أشار إلى أن التكملة في ص 29.
(1) ذهل المؤلف عن وضع هذا العنوان فوضعته بين معكوفين، وانظر ما سلف (ص 8) في ذهوله عن وضع الباب الثاني في رسالة "التعزيز".
(1) الترقيم حديث وليس من الشيخ.