تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد ترك المعلمي ثروة عظيمة من الكتب والرسائل، فيها علم غزير وتحقيق بالغ، لكن لم يطبع منها في حياته إلا القليل، ولم يطبع منها بعد وفاته إلى اليوم إلا قليل أيضًا، فجاء هذا المشروع لينهض بمهمة طباعة جميع كتبه ورسائله = تحقيقًا لرغبة الشيخ في طباعتها وعملًا بوصيته (1)، ونفعًا للناس وخدمة للعلم.

وقد يسّر الله الكريمُ بمنّه جَمْعَ آثاره ومصنّفاته في هذه الموسوعة المباركة، بجهود مخلصة حثيثة، وعمل دؤوب، وصبر ومصابرة، واستغرق العمل فيه عشر سنوات قضيناها في خِضَمّ هذا المشروع الكبير، وتخلّل ذلك انقطاعات متعددة للعمل في المشروعات العلمية الأخرى.

وكان هذا المشروع أول الأمر مجرّد فكرة، ثم بذرناها في أرض الجدّ في مطلع سنة 1423، وتعاهدناها بالعناية والسقي عدة سنين، حتى استوى العمل على سوقه، فنمت أشجارُه، وأورقت أغصانُه، وتفتّقت أكمامه، وبدت ثماره، فها هي يانعةً دانيةَ القِطاف لكل راغب في حصاد موسم 1433. فيا له من حصاد مبارك!

فالحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، والحمد له أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وهذا أوان الشروع في شرح قصة المشروع، وخطته، ومراحل العمل فيه، والصعوبات التي واجهناها.

...

2 - الكتاب كثير منه بخطِّ المعلِّمي. ومَنْ له أُنس بكتب الشيخ المخطوطة لا يرتاب في خطِّ الشيخ، مع قرب العهد، وتسلسل هذه المعلومة بطريق الثقات.

ومسوَّدات الكتاب دالَّة على ذلك.

3 - وقد ذكره له جُلُّ مَن ترجم له (1).

4 - وذكره المؤلف في إحدى محاضراته في دائرة المعارف في حيدراباد (2)، ولخص فيها الباعث له على جمع ذلك الكتاب والطريقة التي سلكها.

5 - وقد أشار في هذا الكتاب إلى أن له رسالة مستقلة في حكم العمل بالحديث الضعيف (3).

6 - في الرسالة إشارات إلى أمور شاهدها في اليمن وفي الهند، وهما البلدان اللذان قضى فيهما أكثر حياته (4).

* ثالثًا: تاريخ تأليف المعلِّمي لكتابه العبادة:

أشار المؤلف إلى هذا الكتاب في كتابه التنكيل، مما يؤذن بتقدُّمه عليه أو مقارنته له، وقد كان المعلِّميُّ أثناء تأليفه للتنكيل في الهند، ويؤكّد ذلك ما نقله زكريا عبد الله بيلا عن المعلمي من قوله وهو يتحدَّث عن الطليعة:

- عرض مفصّل لموضوعات الكتاب

حقق الشيخ في هذا الكتاب الكلام على المسائل الثلاث: (الاجتهاد والتقليد، والسنة والبدعة، ومباحث من العقيدة).

* المسألة الأولى: في الاجتهاد والتقليد

بعد الخطبة وبيان مناسبة التأليف قدم له بمقدمة في بيان التكليف وما يتصل به، وذكر في أثنائها أن بقاء التكليف لما كان متوقفًا على بقاء الكتاب والسنة واللسان الذي وردا به، تكفَّل الله سبحانه وتعالى بذلك. بيَّن المؤلف طريقة حفظ القرآن والسنة واللغة، وأن بحفظها حصل حفظُ الدين، وقامت الحجة على العالمين.

ثم عقد فصلاً لبيان الدليل القطعي والظني، وأن الأحكام أيضًا على قسمين: قطعي وظني، وأحال للتفصيل إلى أصول الفقه، ثم عقد فصلاً لبيان حقيقة الظنّ، وحكم العمل بالدليل الظنّي، وما هو الظنّ الذي ذمّه الله سبحانه في القرآن الكريم، وأجاب عنه بجوابين: إجمالي وتفصيلي، بحيث تناول كل آية، وبيَّن معناها، وذكر الأدلة الموجبة للعمل بالظن بشرطه، ثم عقد فصلاً لبيان أن الله تعالى خلق بني آدم على الفطرة، وركَّب فيهم العقول، وأمدّهم بآلات توصلهم إلى المطلوب منهم من السمع والأبصار والأفئدة وغير ذلك من الحواس الظاهرة والباطنة. ثم أرسل إلى كل قوم رسولًا بلسانهم، وأرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى الخلق كافة وأنزل عليه الكتاب وأمدَّه مع ذلك بالسنة بيانًا للقرآن وإيضاحًا له، واختار له أصحابًا أمناء حفظ الله بهم كتابه وسنة نبيه. ثم فصَّل القول في طريقة تلقي الصحابة الأحكام عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كان عوامُّ القرن الأول يستفتون العلماء ويعملون، وكيف كان

* ثانيًا: ثبوت نسبته للمؤلف وتاريخ تأليفه:

الكتاب ثابت النسبة لمؤلفه، فهو بخط مصنّفه المعروف في كل نسخه التي وُجدت، وهي نسخ (كما سيأتي وصفها) مسوّدة كثيرة الضرب والتعديل، وهذه لا تكون إلا من صنيع مؤلف الكتاب أو الرسالة كما هو معروف.

ومما يدلّ على ثبوت الكتاب له أنه قد ذكره في كتابه الكبير "العبادة" في موضعين (ص 729, 815) قال في الموضع الأول: "وقد بسطنا الكلام على ذلك في رسالتنا (عمارة القبور) "، وقال في الثاني: "وقد عَثَرْتُ له على عِلَّةٍ قادحةٍ بيَّنتُها في رسالَتي (عمارة القبور) ". ولكن يُشكل على هذا أننا لم نجد هذين البحثين في الكتاب، ولعلهما في أوراق لم نعثر عليها.

ثم هو جارٍ على طريقة الشيخ المعهودة في عرض المسائل والاستدلال عليها، والتمكّنُ في الكلام على الحديث والعلل والرجال ظاهر في الرسالة.

أما وقت تأليفها، فلم يظهر بالتحديد وقت تأليفها لكني أميل إلى أنه ألّفها بعد مَقدمه إلى مكة المكرمة بعد سنة 1371 هـ, وذلك أن المؤلف تعرّض في ردّ الشبهات إلى ما أورده حَسَنٌ الصدر في رسالته "الرد على الوهابية" وسمى مؤلفها في (المبيّضة ص 126). أما في (المسوّدة ص 58) فلم يذكره صراحة، لكنه ذَكَر أن بعض المتطرّفين الجهّال الذين يستحبّون البناء على القبور ... وأنه إذا أنكر عليهم أحدٌ قالوا: "وهّابي" ... وظني أن قضية الوهابية والنبز بها إنما برزت عند الشيخ ولمسها لمّا جاء إلى مكة، فالله أعلم.

صلَّى الله عليه وآله وسلم، ونَزِنُها بباقي الوسائل، فإن ترجَّح لنا أن لها مزيَّة دينية لا توجد في غيرها، كان لها حكم المقصد، إلا أن يطرأ عليها ما يوهّنها حتى يُخْشى من الجمود عليها الإخلال بالمقصد الأصلي.

فمن ذلك: المساجد، مقصد ديني، يمكن أن يؤدَّى ببناء غير مزخرف، وببناء مزخرف، فنظرنا إلى الطريق التي اختارها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وهي عدم الزخرفة، هل لها مزية دينية؟

فكانت النتيجة إيجابًا، كما تدل عليه الأحاديث؛ فوجب أن نتمسّك بها، فهي السنة، وخلافها بدعة.

لكن لو أن حكومةً ظالمة منعت أهل بلدٍ أن يبنوا مسجدًا إلا مزخرفًا، فقد يقال: إنه يجوز لهم ذلك للضرورة, وإلا فات المقصد من أصله.

[ص 7] ونعني بالزخرف: ما ليس حرامًا لذاته، فأما الحرام لذاته، كالصور فلا يجوز بحال.

وإن ترجَّح لنا أن الوسيلة التي أُدَّي به المقصد في حياته صلَّى الله عليه وآله وسلم ليس لها مزية دينية على غيرها، وإنما اختيرت اتفاقًا، أو لكونها أرفق، أو لكونه لم يمكن ذلك الوقت غيرها، فالجمهور لا يرون لها مزيَّة على غيرها، وابن عمر يرى الاتباع أفضل.

وإن لم يترجَّح أحد الجانبين، فمحلّ نظر. والظاهر أن له حكم الأول. هذا فيما إذا كان المأتيّ به في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وسيلة واحدة.

فأما إذا تعددت، فإن ترجّح لنا أن لها جميعها مزايا دينية لا توجد في

سددتَ به بابَ وِجارِها.

وإما بأن يكون مشرفًا عليه من قرب، كالدار على دجلة.

وإما بأن يكون مشرفًا عليه من علو، كالقلعة على المدينة، إذا كانت على جبل مُطلٍّ على المدينة.

والوجهان الأولان ممتنعان هنا؛ لما مرَّ أن الاحتمال الراجح هو أن الواقع إحدى الصور الثلاث الأولى من الصور الخمس المار بيانها، وبيان الترجيح بدليله.

وعلى فرض أن الواقع إحدى الصورتين الأخيرتين، فيمتنع أن يُبْنى مسجد على جثث الفتية بارزة، والكهف يضيق عن بناء المسجد وحده، إذا تصورنا إمكان نحت قبورٍ في جوف الكهف، فضلاً عن بناء بنيان على الجثث، ثم بناء مسجد محيط به يتسع للمصلين.

والوجه الثالث متعين بالنسبة للبناء لما مرَّ، وأما بالنسبة إلى المسجد فكل منه (1)، ومن الوجهين الأخيرين محتمل.

وبما أن الأخير ألصق بلفظ "على" لظهور الاستعلاء فيه، مع إمكان أن يكون رأس الجبل الذي يكون البناء فيه فوق الكهف على خط مستقيم، فهو الراجح.

ويمكن أن يرجَّح [ص 16] أيضًا بأن الظاهر من ذكر المسجد أنهم قصدوا أن يكون معدًّا للصلاة، والظاهر من المقام أنهم قصدوا مع ذلك أن يكون تذكارًا لتلك الآية البالغة.

- وإما أن يكون [ص 4] موجود حيٌّ عالمٌ قديرٌ حكيمٌ إلى ذلك الحد، خارجٌ عن نوع الإنسان، وعن سائر الأنواع التي شاهدْتهَا قبل، ومع ذلك فإنما أدركتَ وجودَه بالقياس على وجود المحسوسات، وكذلك ما أدركته من صفاته، فتدبر.

****

الأصل الثاني

العلم المُكْتسب من الخبر لا يتحصَّل إلا بمعونة الحسّ والقياس، فإن الخبر يتضمن حُكمًا ومَحكومًا به ومحكومًا عليه، فلا يستفيد السامع حتى يكون قد عرف المحكوم به والمحكوم عليه وصورة الحكم بحسٍّ أو قياس.

وأكثر الكلمات تتغير صورة المفهوم منها بتغيّر المنسوب إليه، فإذا قلت: "وجه زيد" تصوَّر السامع - إذا كان يعرف زيدًا - وجهه المخصوص. فإذا قلت: "وجه بكر" تصوَّر وجهًا آخر غير الأول. فإن قلت: "وجه رجل" تصور القَدْر المشترك بين وجوه الرجال، فإن قلت: "وجه إنسان" ازداد الاشتراك. فإن قلت: "وجه حِصان" تصوَّر شيئًا آخر، وهكذا: "وجه جمل"، "وجه صقر"، "وجه حيوان"، "وجه الدار"، و"وجه المسجد"، و"وجه الشهر"، و"وجه الأمر".

وإذا قلت: "وجه ضيغم"، وصاحبك لا يدري ما الضيغم، لم يستطع أن يُثبت في ذهنه صورةً ما.

فإن قلتَ له: الضيغم شيء حيٌّ مما على الأرض، قَرُب أن يتصوَّر صورة مبهمة مشتركة بين الإنسان والفيل والبعوضة وغيرها، وهو مع ذلك لا يستطيع أن يثبتها.

وتضمَّن كلامه أيضًا الإسهاب في بيان معنى المتشابه، ونقله ثم نقده لكلام الرَّاغب الأصبهاني عن أنواع المتشابه وأنَّه على ثلاثة أنواع:

1 - الأول: المتشابه من جهة اللَّفظ، وله خمسة أضربٍ، ذكرها ومثَّل لها.

2 - الثاني: المتشابه من جهة اللَّفظ والمعنى، وله خمسة أضربٍ أيضًا، ذكرها ومثَّل لها.

3 - الثالث: المتشابه من جهة المعنى.

ثمَّ عقد المؤلِّف رحمه الله فصلاً في الكلام على تأويل الأخبار في الوقائع الواردة في نصوص الشرع، وأنها على ثلاثة ضروب:

1 - وقائع متعلِّقةٌ بالرب، وقد تقدَّم الكلام عليها في تأويل نصوص العقائد.

2 - وقائع متعلِّقةٌ بما لا نُحِسُّ به ولا هي من جِنسه، كالملائكة والجن، فحكمها حكم العقائد.

3 - وقائع متعلِّقةٌ بما نُحِسُّ به أو من جنسه، وهو محلُّ البحث في هذا الفصل.

ثم بدأ في بسط الكلام عن هذا الضرب الثالث، والردِّ على دعوى أنَّ في نصوص الشرع ما يناقض صريح العقل أو التواتر أو الحِس.

ثم عقد المؤلِّف فصلاً في الرَّد بإسهاب على قول بعض العلماء: "إنَّ الشريعة إنَّما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، وأنَّ ما ورد فيها من بعض النصوص التي لها تعلُّقٌ بعلوم الكون والطبيعة والفلك= فلا يكون مقصودًا

أُمِروا بالسجود للرحمن: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:60]. ذكر المصنف أنَّ وجه هذا التعجرف قد أشكل على المفسرين، فقيل: إن القوم لم يكونوا يعرفون هذه الكلمة لا علَمًا ولا وصفًا. وقد ردَّ المصنف هذا القول بعدَّة أمور. منها أن الاسم المذكور جاء فيما حكاه الله تعالى من كلام المشركين كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20].

ومنها أنهم سموا بعبد الرحمن في الجاهلية، وذكر "عبد الرحمن الفزاري" الذي أغار على إبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتله أبو قتادة كما ورد في قصة غزوة ذي قَرَد في صحيح مسلم.

ثم نقل من تفسير الطبري بيتين ورد فيهما اسم "الرحمن". أحدهما لسلامة بن جندل التميمي، والآخر "لبعض الجاهلية الجهلاء". قال ابن الكلبي: "وقد رُوي بيت في الجاهلية ولم ينقله الثقات، هو للشنفرى" ثم أورد هذا البيت (الاشتقاق لابن دريد: 59).

ثم قال: لا يجوز أن يخاطبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لا يعرفون.

وهذه الوجوه هي التي ردَّ بها العلّامة عبد الحميد الفراهي رحمه الله تعالى القولَ المذكور في كتابه "مفردات القرآن". وقد طبع هذا الكتاب سنة 1358، وكان الشيخ المعلمي رحمه الله حينئذ في الهند، وقد وصل إليها سنة 1345. ولا شك أنه لم يقف على كتاب المفردات حين تسويد هذا الفصل، وإلا لوجد فيه شواهد أخرى ثابتة النسبة من شعر الأعشى والمثقِّب العبدي وحاتم الطائي.

وقد تكلم المصنف في هذا الفصل أيضًا على ما ورد في الصحيح في

وفي دراسة الفلسفة والمنطق لم يقتصر الفراهي على التراث العربي، بل كان يتابع ما يصدر في الغرب من أحدث المطبوعات في الفلسفة والمنطق، ويقرؤها قراءة بحث ونقد ومقارنة. ومن ثم كان أعلم الناس بمضرة كتب الفلسفة وانحرافات الفلاسفة القدماء والمُحدَثين. اقرأ ما قاله في ذكر أحد الأسباب السبعة التي بعثته على تأليف كتابه "حجج القرآن":

"والثاني: ما تعلق بالذين معظم همهم المعقول من المنطق والفلسفة، فإنهم قد ابتلوا بعقليات سافلة زائغة عن طريق الفطرة والهدى، مفضية إلى الحيرة وصريح العمى، كما لا يخفى على من نظر في خزعبلات المتفلسفين العاشين عن نور الوحي والكتاب. ولذلك حذَّر السلف من الاشتغال به، ولكن أبى الناس إلا النظر فيه، والولوع به، والإخلاد إليه؛ ثم بعد التجربة عرفوا مضارها. فمنهم من أبطل بعض أباطيلها، وأبقى بعضها محسنًا به ظنه كأبي حامد رحمه الله، فإنه بيّن تهافت ما في إلهيات اليونانيين، ولكنه هو الذي أدخل منطقهم في الإِسلام، فكان كمن قتل الأفعى وربّى أولادها. وكذلك اتخذ أخلاقياتهم، وبنى عليها كتابه "ميزان العمل"، فلم يخرج عن اتباع الفلاسفة مع غلوه في ردهم. وأما ابن مسكويه والطوسي وأمثالهما فهم مجاهرون بتقليد اليونانيين في الأخلاقيات. ومنهم من انتبه لأكثر من ذلك كابن تيمية رحمه الله، فردّ على المنطقيين ردًّا طويلاً، ودل على زيغ نهج المتكلمين ... " (1).

ولكن الكتاب الذي ملك عليه عقله وقلبه هو كتاب الله الذي كان ألذ كتاب وأحبه إليه. وقد بدأ تدبره أيام طلبه في كلية عليكره، وانكشف له

أوردها المؤلف في "التنكيل" فرعًا فرعًا وترجمة ترجمة، وبه ينتهي الكتاب.

وعند النظر نجد أن الرسالتين يكمّل بعضهما الآخر،؛ إذ إن كل رسالة انتحت طريقةً في الرد، الأولى في التقعيد والتحرير، والأخرى في التتبُّع والاستدراك على الترتيب.

وأما أيهما تقدمت على الأخرى في التأليف فمما لا يمكن الجزم به، ولم أقف على قرائن يستفاد منها لتحديد أيهما المتقدم، ولا يبعد أن يكون قد شرع فيهما معًا، وعليه فلا ضير إنْ قدّمنا إحداهما على الأخرى في الترتيب في هذا المجموع، ورأيت أن تتقدم رسالة "تعزيز الطليعة" على "شكر الترحيب" لكونها من حيث العنوان أقرب إلى نصرة "الطليعة" فناسب أن تليها في الترتيب.

ويبدو أن المؤلف لم ينشط لطباعتهما في حياته خوفَ أن يصيبهما ما أصاب "الطليعة" من الأخطاء المطبعية أو التصرف بالتعليق ونحوه. وقد صرح بأن هذا سبب تأخره في طباعة التنكيل أيضًا (1).

****

قدّم المؤلف خمسة فصول قبل أن يشرع في القسم الأول من الكتاب، وهي أشبه بالتوطئة والتمهيد للكتاب؛ ذكر في الفصل الأول الغرضَ الأهمَّ من تأليف كتاب التنكيل، وهو ردّ المطاعن الباطلة عن أئمة السنة ورواتها، ثم شرح الأمر الذي اضطرّه إلى ذلك وخطورة هذا الأمر على السّنة.

وفي الفصل الثاني تكلم على الغلوّ في الأفاضل، وأنه هو الذي جرّ الكوثريَّ إلى الطعن في غيره، واتهامهم جميعًا بمعاداة أبي حنيفة. ثم تكلم على كلام العلماء بعضهم في بعض، وما يقع أحيانًا من الشدة في كلامهم، وتخريج ذلك على معنى لطيف، مع عدة أمثلة تشهد لما ذهب إليه المؤلف من المعنى.

وفي الفصل الثالث تكلم على محاولة الكوثري التبرّؤ مما نُسِب إليه من الطعن في أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي هشام بن عروة بن الزبير.

وفي الرابع بحَثَ معه في العُذر الذي ذكره الكوثري في أثَر مسألة القول بخلق القرآن، وأنها هي السبب الذي أوغر صدور المحدّثين على أبي حنيفة، باعتبار أن من قام فيها ينتسبون لمذهب أبي حنيفة. وقد أجاب المؤلف عن ذلك بخمسة أمور.

وفي الخامس تكلم المؤلف عن ميول الكوثري المذهبية والثقافية وكيف أثّرت على كتاباته، فهو من أهل الرأي ومن غُلاة المقلّدين في الفقه، ومن مقلّدي المتكلمين، ومن المجارين لكُتّاب العصر، ثم تكلم على كل صفة من هذه الصفات وكيف أثرت على الكوثري فكرًا وسلوكًا.

ثم شرع في القسم الأول من الكتاب، وهو قسم القواعد، فذكر تحته

- ترجمة محمود أبو رية (المردود عليه).

- طبعات الكتاب.

- مخطوطات الكتاب.

- منهج التحقيق.

ثم ختمناه بفهارس كاشفة متنوّعة، والحمد لله رب العالمين.

وكتب

علي بن محمد العمران

aliomran@hotmail.com

a-alemran تويتر

* المؤلفات في الوُحدان

كَتَب في هذا النوع من علم تاريخ الرجال جمعٌ من الأئمة، نذكر من بلَغَنا خبرُ كتابه على سِنيّ وفَيَاتهم، وغالب هذه الكتب لم يصلنا سوى عنواناتُها أو اهتدينا إليها من نقول بعض الأئمة منها. وهذه الكتب على أنواع فمنها ما أُلّف في الوحدان من الصحابة خاصة، ومنها ما هو خاص برواة الحديث، ومنها ما جمع بين الطائفتين.

1) محمد بن إسماعيل البخاري (256). له "أسامي الصحابة الوحدان".

2) "الوحدان" ويسمى "المنفردات والوحدان" لمسلم بن الحجاج (261). وهو أشهر الكتب المؤلفة في الباب، وقد طبع قديمًا في الهند، وأعيد مرات.

3) أبو زرعة الرازي (266). ذكره أبو نعيم في "معرفة الصحابة".

4) عبد الله بن واصل أبو الفضل (272). ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (4/ 1858).

5) يونس بن حبيب الأصبهاني (276). نقل منه في "الجرح والتعديل" (5/ 273).

6) "الوحدان" أو "مسند الوحدان". لأبي حاتم الرازي (277)، نقل عنه ابنه في كتاب "الجرح والتعديل" انظر: (4/ 150، 320، 6/ 364، 7/ 79)، وفي كتاب "المراسيل".

7) "الآحاد والمثاني" لابن أبي عاصم (282). مطبوع في ست مجلدات.

الجادة لكن رأيتُ إبقاءها كما تركها المؤلف، ثم أصنع لها فهرسًا على الترتيب المعجميّ.

****

* ثالثًا: طريقته في الانتخاب:

1 - سبق أن ذكرنا أن المؤلف انتخب هذه التراجم من كتابي "الميزان والتهذيب".

2 - يذكر المؤلف اسم المترجَم ثم أبيه وجده ونسبته ويقتصر كثيرًا على اسم الأب أو النسبة وقد يذكر جرّ نسبه.

3 - لم يلتزم المؤلف بذكر من أخرج للمترجم، فقد يذكره بحسب الرموز المعروفة في "التهذيب" و"الميزان" وقد يغفله وهو الأكثر، ولم يظهر لي تعليل واضح في ذلك.

4 - يبدأ الترجمة بذكر الأقوال في الراوي جرحًا وتعديلًا وهو الأغلب، وقد يبدؤها بذكر من روى عن المترجَم. ولا يستوعب الأقوال في الترجمة بل يذكر جملةً منها. وقد يذكر الاسم ويترك تحته بياضًا، وقد يذكره ويقول: سيأتي بعد كذا ..

5 - أغلب تراجم الكتاب انتقاء دون تعليق للشيخ، وبتأمّل الانتقاء وحده يُفْهَم غرض الشيخ منه. وقد يعلّق مصدِّرًا ذلك بـ "أقول" كما هي عادته، أو بـ "قال عبد الرحمن" وهو قليل. وقد يَطُول التعليق ليبلغ صفحات، وقد يكون في بضعة أسطر.

ص 29 بقوله: "وقد عنَّ لي أن أجمع ... " - كما سبق نقله - وبيَّن غرضه من تأليف الرسالة ... وعند النظر والتأمل يتبين أن هذا الكلام هو الأشبه أن يكون بدايةً للرسالة، لذا فقد قدّمناه إلى أولها، فالقطعة من [ص 25 - 28] في موضوع الضبط، ومن [ص 29 - 34] في موضوع العدالة، والعدالة كما لا يخفى مقدَّمة في الكلام على الضبط.

هذا ما يتعلق بترتيب الرسالة والتقديم والتأخير فيها.

أما موضوعات الرسالة، فقد مهّد المؤلف للكلام على العدالة والصدق ومَن هو الذي ينبغي أن يُصدّق بالكلام على آية: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ...﴾ [التوبة: 61] ودلالتها على تصديق المؤمنين فيما أخبروا به.

ثم عَقَد فصلًا في المراد بالمؤمنين في الآية، وذَكَر الاحتمالات في ذلك، واختار أنه مَن أظهر الإِسلام وظهرت دلائلُ إيمانه.

ثم عَقَد فصلاً في دلالة الآية على قبول خبر العدل بخلاف غيره ممن تلبّس بالفسق.

وانفصل منه إلى فصل في العدالة، تكلم فيه عن معناها لغة، ثم ذكر قولَه تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ...﴾ ودلالتها على العدالة.

ثم عقد فصلًا في المقصود من العدل وما الذي يخرم العدالة، وتخريج ما ورد من إشكالات في الباب، ثم فصلًا مختصرًا في الصغائر متى تخلّ بالعدالة.

الاحتجاج فليوطَّن نفسه على قبول الحجة، ولو على خلافِ قولِ إمامه، وإلاَّ وقع في الخطر من تقديم هواه على ما جاء به الرسول، وجَعْلِ كلامِ مقلَّدِه أصلًا يُرَدُّ إليه ما خالفه من كلام الله ورسوله. والله يهدي من يشاء إلى سراطٍ مستقيم".

كان الشيخ عالمًا بالحديث والرجال والعلل، وتغلب عليه هذه النزعة عندما يذكر الأحاديث، فيتكلم عليها تصحيحًا وتضعيفًا، ويأتي بالطرق والشواهد، ويترجم لرجال الأسانيد، ويشير إلى بعض العلل الخفية، ويُعقَّب أحيانًا على الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما من النقّاد. والأمثلة على ذلك كثيرة في هذه الرسائل، ويكفي مراجعة رسالته "سنة الجمعة القبلية"، و"هل يُدرِك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام"، و"القبلة وقضاء الحاجة"، وبحث في حديث قيس بن عمرو في صلاة ركعتي الفجر بعد الفرض، ومسألة إعادة الصلاة، وبحث في حديث معاذ بن جبل في صلاته بقومه، وبحث في وقت تشريع ونزول آية صلاة الخوف، وغيرها، فقد أطال الشيخ فيها الكلام على نقد الأحاديث الواردة في الباب، وناقش بعض العلماء في القديم والحديث من الذين تكلموا عليها وعلى فقهها، ووفَّق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض. وقلَّما تخلو رسالة من هذه الرسائل الفقهية من فائدة حديثية، أو تنبيه على إشكال وحلّه، أو تعقيب على وهم، أو كلام على الرجال والعلل، يكون من بنات فكره ودقائق استنباطه.

وإلى جانب تمكُّنه من علوم الحديث والرجال كان واسعَ الاطلاع على كتب التراث في فنون مختلفة، وقد استفاد منها وأحال إليها كثيرًا في هذه الرسائل، ولو قرأنا مثلًا رسالته "مقام إبراهيم" و"توسعة المسعى" و"سير

وفي فصلٍ آخر تكلم على ما نُقل عن بعض الأئمة أن خبر الثقة يفيد العلم مطلقًا، فذكر أنهم أرادوا بذلك الردّ على الجهمية وبعض الغلاة في الرأي الذين كانوا يطعنون في الأحاديث الواردة في الصفات بأنها أخبار آحاد لا تفيد إلاَّ الظن، ويردُّون الأحاديث بدعوى أنها مخالفةٌ لظاهر القرآن أو القياس. فقال الإِمام أحمد وغيره: إن خبر الثقة يفيد العلم، قصدوا بذلك أن الأخذ به واجب لحجج تفيد العلم اليقيني، ومنها إجماع سلف الأمة على الأخذ بخبر الثقة.

ثم جعل المؤلف عنوان "أخبار الآحاد"، وذكر أنها القسم الثالث من الأخبار عند الأصوليين، وهو ما لا يُقطع بكذبه ولا بصدقه.

وقبل الكلام عليها عقد فصلاً لبيان سبب ضلال أمم الشرك السابقة، فقد كانوا يعلمون وجود الله وعظمته وجلاله، ثم أخذوا يثبتون له ما يرونه كمالاً، فلم يرجعوا إلى هدي الأنبياء والتمسك بسننهم وآثارهم، بل اغتروا بعقولهم واستغنوا بأفكارهم، فضلُّوا وهلكوا. وهذا ما حدث في هذه الأمة، فقد ضلّت الخوارج وغيرها بسبب جهلهم بالهدي النبوي واستغنائهم عن الاهتداء بالعارفين به من الصحابة.

ثم بدأ الكلام على وجوب العمل بخبر الواحد، وأنه قد وقع الإجماع على ذلك، وما نقله بعض الأصوليين عن الظاهرية من أنه لا يجب العمل به مطلقًا = خلاف المعروف عن أئمة الظاهرية كداود وابن حزم. نعم حكي عن المعتزلة كالأصمّ وتلميذه إبراهيم بن إسماعيل بن علية أنه لا يُقبل خبر الواحد في السنن والديانات، ويُقبل في سائر الأحكام. وحكي عن هشام والنَّظَّام أنه لا يُقبل إلا بعد قرينة تنضمُّ إليه، وهو علم الضرورة.

ثانيًا: تحقيقاته لكتب اللغة العربية:

عمل المعلِّمي على تصحيح الكتب عندما كان ضمْنَ الفريق العامل في مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن - في الهند - قرابة خمسة وعشرين عامًا عاكفًا على التصحيح والتحقيق والتنقيح، فكان في بعضها مشاركًا لبعض العلماء في تصحيح كتاب ما، وكان في بعضها منفردًا، ولنقتصر هنا على ذكر الكتب اللغوية:

1 - الأمالي الشجرية، لأبي السعادات ابن الشجري.

طُبع بالهند في دائرة المعارف سنة (1349 هـ) ويقع في جزئين بتصحيح وتعليق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني، والسيد زين العابدين الموسوي.

2 - كتاب المعاني الكبير، لابن قتيبة الدينوري.

وقد صحح الكتاب أولاً العلاَّمة المستشرق سالم كرنكو، وبعث بالنسخة إلى دائرة المعارف بعد أن شرح لهم ما قاساه من سقم الأصل وأنه مع ما عاناه وبذله من المجهود العظيم في تصحيح النسخة لا يثق بأنه لم يبق في النسخة شيء من الغلط، فأحيلت النسخة إلى المعلَّمي فتصفح الكتاب واستدرك بعض ما بقي، وطبع الكتاب في دائرة المعارف سنة (1368 هـ) في ثلاثة أجزاء، وقدَّم له المعلِّمي بمقدمة بلغت ثلاثًا وثلاثين صفحة (1) تحدَّث فيها عن مكانة الشعر القديم، وتدوينه، وتعريف أبيات المعاني، والمؤلفين في هذا الفن، ثم التعريف بابن قتيبة، ومكانته في معرفة الشعر

ثم أضاف إليها: "الدرر اللوامع على همع الهوامع" لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت 1331)، و"مغني اللبيب" لابن هشام (ت 761)، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي (ت 626)، و"لسان العرب" لابن منظور (ت 711). وكان قصده أن يصنع فهرسًا موحَّدًا لجميع ما ورد فيها من الشعر، إلاَّ أنه لم يستخرج من "الأشباه والنظائر" شيئًا، ولعله لم يفرغ له، ولم يُتِم فهرسة "معجم البلدان" و"لسان العرب"، فقد توقف في "معجم البلدان" عند رسم (بُسيان) وفي "لسان العرب" عند مادة (فيأ). ولعل السبب في انصرافه عن فهرسة "اللسان" ظهور فهرسٍ للشعر والشعراء فيه من صنع الأستاذ عبد القيوم بجامعة بنجاب بلاهور سنة 1938 م.

وقد صنع الشيخ هذا الفهرس على مرحلتين، قام في المرحلة الأولى بجرد كلّ مصدر واستخراج ما فيه من القوافي مع ذكر البحر والقائل والمصدر. وفي المرحلة الثانية قام بدمْج جميع القوافي ووضعها في مكانها المناسب، مع ذكر الإحالات إلى جميع المصادر. وقد وصل إلينا دفتران برقم [4916 و4918] في مكتبة الحرم المكي، نعرف بهما منهجه في المرحلة الأولى. فالأوراق (1 - 6) من الدفتر الثاني تبيِّن طريقة الشيخ في فهرسة "خزانة الأدب"، فقد ذكر أولًا في رأس كل صفحة حروفَ القافية (ت ث ج) (1) إلى (ن هـ ي)، ثم في يمين الصفحة يذكر مثلًا (جَ) ثم يترك فراغ أسطر، ثم يذكر (جِ) (جُ) (جْ)، ويذكر أمام كل منها صفحات "الخزانة" بمجلداته الأربعة مع الإشارة إلى المجلد برقم أكبر، فهو بهذه الطريقة قسَّم جميع القوافي الواردة في "الخزانة" مع تقييد الصفحات، ولما أراد نقلها إلى المعجم في المرحلة الثانية سَهُل عليه مراجعة كل قافية ووضعها في مكانها. وقد علَّم الشيخ على أرقام الصفحات في هذا الدفتر بعلامة تُشبه القوس،

1 - المقدمة وهي تشتمل على حمد الله عزَّ وجلَّ، والشهادتين، والصلاة والسلام على نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.

2 - الموعظة، وستأتي الإشارة إلى موضوعاتها.

3 - الحديث، ويكتب قبل إيراده بخط جلي: كلمة "حديث". وكثيرًا ما يقتصر على حديث واحد، وقد يزيد.

4 - الآيات، ويمهد لها بعبارة تابع فيها ابن نباتة، كما سبق.

5 - الخاتمة، وهي جملة أو جملتان من الدعاء ولا يلتزم كتابتها.

الجدير بالذكر أن خمس خطب (36, 37، 50، 51, 52) لم ترتب هذا الترتيب, لأنها أقدم الخطب كما سيأتي، فالظاهر أن الخطبة (38) وهي خطبة ابن نباتة التي أخذها الشيخ بشيء من التصرف هي التي كانت نموذجًا لخطبه في المستقبل.

هذا ترتيب الخطب الأُوَل. أما الخطب الثواني، فيستهلها بحمد الله والشهادتين، ثم يلقي موعظة قصيرة، يقفوها الصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإخوانه المرسلين، ثم الدعاء للخلفاء الراشدين: كلٍّ على حدة، مع ذكر ألقابه.

وعند ذكر علي بن أبي طالب يضم إليه ذكر فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم.

ويتبعهم الدعاء للستة المتممين للعشرة، وأهل بيعة الرضوان والشجرة، وعمي النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحمزة والعباس، وأمهات المؤمنين وترجمان القرآن عبد الله بن العباس، ثم التابعين وتابعيهم بإحسان.

عن التصحيح الطباعي، والأوضح: التمييز بالصفة، كما ترى". يعني: إذا أردت التمييز بين نوعي التصحيح وصفتَه بالطباعي أو العلمي، وإلا اكتفيت بكلمة التصحيح، والسياق يبيِّن المقصود، فلن يخيَّل إلى أحد إذا رأى على غلاف الكتاب: "صحَّحه فلان" أن المقصود: صحح تجاربه!

وإذا رأى المرء ما ابتليت به كلمةُ "التحقيق" في زماننا من الهوان والامتهان تمنَّى لو استمرَّ الباحثون على كلمة "التصحيح" التي لم تكن قاصرة عن أداء المقصود، وظلَّت كلمة التحقيق ومشتقاتها مصونة من أيدي العابثين المبطلين.

وأهل الفارسية لا يزالون يسمُّون هذه الصناعة "التصحيح"، بل ترى من كبار محققيهم من يقتصر - مع استفراغ وسعه في تحقيق النص وإتقانه إتقانًا بالغًا - على أن يثبت على غلاف الكتاب: "باهتمام فلان" أي باعتنائه، أو "بكُوشِشِ فلان" أي بسعيه. والعمل هو الذي يشهد بدرجة اعتنائه ومبلغ سعيه.

وغفر الله لشيخ العروبة أحمد زكي باشا الذي أثبت على بعض كتبه كلمة "التحقيق"، فتبعه الآخرون. ثم استُهتر بها الناس، وكثير منهم لا يعنيهم مفهومها وحقيقتها بقدر ما يعنيهم لفظها ورنينها، فيثبتها أحدهم على غلاف كتابه مزهوًّا بها، ويمشي في الأرض مرحًا، وإن كان عمله في الكتاب لم يزده إلا فسادا.

ولنستعرض الآن محتويات الرسائل الثلاث مع وصف أصولها الخطية.

(1) سيأتي بسط ذلك في الكلام على مؤلفاته (ص 124 - 126).

(1) انظر مثلاً: مجلَّة العرب 1/ 245 مقال خير الدين الزركلي، والأعلام 3/ 342 له.

(2) كما في دفتر مسودات صور برقم 4930 في مكتبة الحرم المكي.

(3) انظر ص 249.

(4) انظر ص 256، 752، 923 لذكر اليمن، و264، 683 - 684 لذكر الهند.

(1) "فكل منه" كذا قرأتها، وهي غير واضحة لأنها في طرف الورقة.

(1) حجج القرآن (20). والجدير بالذكر أن الفراهي قد نسخ بيده كتاب "الرد على المنطقيين" لشيخ الإِسلام ونسخته هذه محفوظة في مكتبة "دار المصنفين" بأعظم كره.

(1) انظر "شكر الترحيب" (ص 6).

(1) انظرها في "مقدمات الشيخ" (ص 203 - 242) ضمن هذه الموسوعة.

(1) الصفحات الأولى التي كانت تحتوي على قافيتي (أب) ضائعة.

· الجزء ١ · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ١٠