الإدريسي حتى وفاته - وهي وثيقة مهمة تغني عن التحليل والتخمين - قال الشيخ:
"أوضِّح لكم صورة استخدام سيدنا - المقدَّس سرّه - لي، فأولًا عقب وصولي كان مُنزِلًا لي منزلة العلماء للمذاكرة في حضرته الشريفة وتدريس الطلبة، ومكثتُ على ذلك مدةً كان في أثنائها ربما استعان بي في كتابة بعض المهمات؛ كجواب على عالم أو تعزية في رئيس أو نحو ذلك، وربما أحال إليَّ بعض المسائل القضائية المشكلة".
وفي رسالة من المعلمي إلى القاضي عبد الله العمودي جاء فيها:
"وأخوكم مشغول بالقراءة أولاً على سيدنا في "مسلم" مجلسين صباحًا إلى بعد الظهر، ومساء من بعد العصر إلى دخول المغرب، ومذاكرة نحن والشيخ محمد بن إسماعيل، ومذاكرة مع الطلبة على اختلاف دروسهم، ومسألة القضاء ... مع ما لا يستغني عنه الطالبُ من المطالعة".
فهذا النص يبيّن برنامج الشيخ اليومي ومدى تفرُّغه لطلب العلم ونشره، وهذا البرنامج مضاف إليه "مسألة القضاء" التي كان الشيخ كارهًا لتولّيها فقد دعا بعد ما ذكرها بقوله: "نسأل الله تعالي أن يجعل لنا منها فرجًا ومخرجًا".
ثم قال الشيخ في تلك الوثيقة:
"ولم يزل الحالُ على نحو ذلك، حتى أرسلني إلي "رجال ألمع" (1)، وقد
وخطها واضح جميل، وهي بخط أحد النسّاخ في الأغلب، ثم راجعها المؤلف فصحّح وأضاف، وألحق سطورًا بل صفحات كاملة بخطه المعروف.
وعليها ضرب في بعض المواضع.
وبها نقص من ص 93 إلى ص 396.
وقد رمزت لها بالحرف (أ).
النسخة الثانية: (أوراق مفرَّقة أغلبها في العقيدة وفنون مختلفة) محفوظة بمكتبة الحرم المكِّيِّ بالرقم العامّ 4249 (منوَّعات).
عدد أوراقها 95 ورقة، من ص 85 إلى 180
مقاسها: مثل السابق.
مسطرتها: 15 سطرًا في كلِّ صفحة.
وهي بخط المؤلِّف، وعليها تصويبات وإلحاقات، غير أنها أقلُّ مما في الدفتر الأول.
ولا تحتاج إلى أن يُرْمز لها برمز لأنها الدفتر الثاني، وهي في مكانها الطبيعي، والصفحات متسلسلة.
النسخة الثالثة: الدفتر الرابع من دفاتر مخطوط العبادة، محفوظ في مكتبة الحرم المكِّيِّ بالرقم العامّ 4937.
وعدد صفحاتها 108، تبدأ من ص 289، وتنتهي بـ ص 396. وهي كذلك لا تحتاج إلى أن يرمز لها برمز؛ لأنها في موضعها الطبيعي. والصفحات متسلسلة حتى تتصل بالدفتر الخامس الذي يبدأ بـ ص 397. وهي بخط المؤلف.
هو أحد رواة لفظ مسلم، والظاهر الاتفاق.
قلت: فما نصنع بالراوي الآخر وهو الأصبهاني، وعلى كلَّ حال فلا يخلو المقام من مسامحة.
الموضع الثاني: أنه بعد ذِكْر عبارة الحاكم: "صحيح على شرطهما ... " إلخ. قال: "قلت: قد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده".
وهذا صريحٌ في أنَّ قولَ الحاكم: "ولم يخرجاه" يعني الحديث من أصله، فاحتيج إلى تعقُّبه بأن مسلمًا قد أخرجه بسنده، وإنما قال الحافظ: "قد أخرجه مسلم عن أبي بكر ... " إلخ. مع أن مسلمًا أخرجه عنه، وعن غيره مقرونين؛ لأن الحاكم رواه من طريق أبي بكر أيضًا.
وقوله: "بسنده" أي: بنفس السند الذي ذكره الحاكم، وبهذا يتم الحكم على الحاكم بالوهم.
وقد علمت أن الحاكم إنما أورد تلك العبارة عقب الرواية الأولى، أعني رواية عبد الرحمن وخلَّاد، فقوله: "هذا الحديث" متوجَّه إليها، وكذا قوله: "ولم يخرجاه" كما هو ظاهر، وهو المُطَّرِد في اصطلاحه في "المستدرك"، يذكر الحديث ثم يتكلم عليه. وأصرح من هذا قوله في آخر العبارة: "وقد صحَّ سماع أبي وائل من علي".
وبهذا يعلم أن حكم الحاكم صحيح، فإنَّ حديثَ عبد الرحمن وخلاد (1) لم يخرجه أحدٌ من الشيخين بسنده، بل ولا متنه.
الموضع الثالث: قوله في ذكر رواية أحمد عن وكيع وعبد الرحمن ...
المغيرة بن مِقْسَم قال: "لما مات الحسن بن الحسن، ضربت امرأته على قبره فُسطاطًا، فأقامت عليه سنة ... " فذكر نحوه. اهـ.
قلت: المغيرة بن مِقْسَم كان أعمى ويدلس، فلا تثبت القصة بمجرَّد هذه الحكاية منه، ولا يُدْرَى ما حال السند إليه، كما أنا لا ندري ما حال سند المحاملي.
وعندي أن هذه الرواية لا تصح أبدًا، فإن أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يبعُد جدًّا أن يقع مثل هذا منهم؛ إذ زوجة الحسن هي بنت عمه فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهم، ويوم مات الحسن كان بنو أخيها أحياء، وكذلك غيرهم من أهل البيت، فلو فرضنا أنه لم يبلغها نهي، لكان بعيدًا أن لا يكون بلغهم، وأقل ما يكون بلغهم لَعْن زوَّارات القبور.
والتحقيق: أن اللعن منصبٌّ على اللواتي يكثرن الزيارة.
ولا شك أن ضرب قبة على القبر لأجله، والمُكْث فيها سنة أشدّ من مطلق كثرة الزيارة، فحاشا السيدة فاطمة بنت الحسين أن تصنع ذلك، وحاشا أهل البيت أن يكون منهم مثل هذا, ولا يبعد أن يكون ناصبيّ خبيث وضع هذه القصة، وحاشا فاطمة بنت الحسين بن علي أن تفعل ذلك الفعل جزعًا من وفاة زوجها، أو طمعًا في حياته، كما تدلُّ عليه حكاية قول الهاتِفَين: "هل وجدوا ما طلبوا؟ بل يئسوا فانقلبوا".
وأما قول بعضهم: لعلها ضربت الفُسطاط للاجتماع لقراءة القرآن ونحوه. فمع كون ذلك محظورًا أيضًا، فحكاية قول الهاتِفَين تردّه.
فإن كانت الأنثى مما يلد كالمرأة تربَّت البيضةُ في الرَّحِم إلى أن يكون خلقًا سويًّا من جنس الأبوين، وإن كانت مما يبيض أُحيطت البيضة بذلك الغشاء الصُّلب المعروف، وألقتها الأنثى في مكان تعدُّه لذلك، ثم تحضنها إلى أن يخرج الفرخ حيًّا سويًّا كأبويه، وتخليق الجنين مما لا شعور للأبوين به ولا بكيفيته، ولولا العادة لما علما بأنه يكون ولد إلا أن يكون إلهام فوق العادة.
ثم يكون من الأولاد ذُكْران ومنها إناث، وليس للأبوين ولا لغيرهما خيرة في ذلك ولا شعور، ويكون لكل مولود يولد صورة تخالف صورة جميع الناس، ثم انظر. في تفصيل الخِلْقة، ثم في تيسير الغذاء المناسب للطفل، ثم في طريق التغذية.
ثم ارجع إلى الشجر، توضع النواةُ في الطين، فلا تلبث أن تنشقّ وتنبت منها شجرة مثل أصلها، وانظر كيف تغذيتها، وكيف ثمرتها، إلى غير ذلك.
ثم انظر كيف تيسير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات، فإن أشد ما يحتاج إليه هو الهواء والنور والحرارة المعتدلة، ثم الماء، ثم الغذاء، وتجد هذه الأشياء قد قُسِّمت في الوجود بحسب شدة الحاجة إليها، وقِسْ عليها غير ذلك.
ثم تدبَّر أمرَ الشمس مع الأرض، وكيف تتغير حتى يتكون الفصول، ثم انظر في السحاب والمطر والرياح، ثم سل الحُكَماء الكبار أولي العقول الكبيرة: هل استطاعوا أو يستطيعون أن يصنعوا ذرّة لها من الأعضاء والقُوى والإدراك والحياة ما لهذه الذرة التي نطؤها بأقدامنا كل يوم؟ أو بُرّةً تُغْرَس فتنبت كما ينبت البر؟ أم أن يُخَلِّدوا إنسانًا أو يبقوه معمرًا مائتي سنة مثلاً، أم
شهادة حسبة على ذلك، كيف حكمه؟ فذكر المؤلف نصوص كتب الفقه الشافعي، وتوصَّل إلى أن الحرية من أعظم حقوق الله تعالى، والأصلية أولى من العتق، ولا فرقَ بين كون العتق وقع ممن يريد أن يتملكه أو يبيعه أو من غيره. فالذي يظهر أن شهادة الحسبة لا تُردُّ في هذا، إذ هو مما لا يتأثر برِضا الآدمي. وبه انتهت الرسالة الرابعة.
وقد تناول المؤلف هذا الموضوع في كل رسالة من هذه الرسائل بأسلوب مختلف وبخطبة جديدة وتمهيد مستقل، ففي بعضها اهتم بذكر نصوص الفقه الشافعي، وفي بعضها ذكر أحكام الإماء المجلوبة حسب ما فصَّلها السبكي، وفي بعضها تحدَّث عن أحكام الإقرار وشهادة الحسبة، وفي بعضها تكلَّم عن فضل عتق الرقبة في الإِسلام. ويبدو أن الشيخ كان مهتمًّا جدًّا بهذه النازلة، وأراد من الإِمام الإدريسي أن يَبُتّ في الأمر للقضاء على ظاهرة بيع الأحرار، وتوجيه القضاة إلى سماع دعوى الحريّة وإقامة البينة عليها بعد الإقرار بالرق، واعتبار شهادة الحسبة في هذا الأمر، لدفع المفاسد المترتبة على الرق.
22 - أسئلة وأجوبة في المعاملات:
لم يضع لها الشيخ عنوانًا في مخطوطته التي وصلتنا منها بمكتبة الحرم المكي برقم [فلم 3555] في 7 ورقات، وعنون لها المفهرس "رسالة أسئلة وأجوبة في البيع". وقد بدأها الشيخ بتعريف البيع وما الذي يجوز بيعه وما الذي لا يجوز بيعه، والبيوع المنهي عنها في الأحاديث وتفسيرها، ثم عقد باب الربا تحدث فيه عما يتعلق به، ثم باب بيع الأصول والثمار، وباب الخيار، تكلم فيه عن أقسامه السبعة وأحكامها، وبعده باب السَّلم وباب
1 - صرَّح باسمه عندما ذكر قصيدةً يمدح بها النبي عليه الصلاة والسلام كما في (ص 115) حيث قال: "الحمد لله، من كلام كاتبه جامع هذا الكتاب: ي ون س ال م ال ك ي" واستخدم هنا الحروف المقطعة كما هو ظاهر.
2 - تصريحه باسم الحافظ الذهبي معبرًا عنه بقوله: "شيخنا" كما في (ص 123) و (132).
3 - في (ص 172) أخبر أنَّه حدَّثه شيخه بالحرم المكي سنة (764 هـ). فالحاصل أنَّ المعلِّمي اختصر هذه الفوائد اللغوية من هذا الكتاب ولم يلتزم ترتيبه، وزاد عليه كما تجده في تفسير أسماء الخمر حيث إنَّه استدرك بعض التعليلات، وإن كان ترك بياضًا في بعضها وقد أكملتُها، وكذا نَظَمَ أسماء الجناس وأنواعه (1)، وسأذكر الكلمات هنا باختصار عازيًا لها برقم الصفحة ملتزمًا ترتيب الأصل المأخوذ منه:
1 - الفرق بين اللدغ واللسع ... (ص 37).
2 - أولاد البهائم (ص 40).
3 - لغات الأصبع (ص 42).
4 - لغات الأنملة (ص 42).
5 - الدائرة المحيطة بالقمر والمحيطة بالشمس (ص 42).
6 - كلمات التأوه (ص 42).
(1) محافظة "رجال ألمع" تقع في الجهة الغربية من منطقة عسير، على مسافة 45 كيلو مترًا من مدينة أبها. وقد أشار إلي هذا الإرسال إلى عسير القاضي العمودي في مختصر تاريخه "إتحاف القارئ" (2/ 398) قال: "من أجل الخلاف الذي صدر من عسير على أصحاب الملك ابن سعود".
(1) الأصل: "خالد" سهو.
(1) يقال هنا ما قيل قبلُ في اختصار "درة الغواص"، فالمعلمي في انتقائه لهذه الفوائد ليس مقلدًا في كل ما ذكره، فالعهدة تلحق صاحب الأصل لا المخْتَصِر.