تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبيات، وكنا نستعين بتفسيرَي "الخازن" و"النسفي".

وأخذَتْ معرفتي تتقوَّى، حتى طالعتُ "مغني ابن هشام" نحو سنة، وحاولت تلخيص قواعده المهمَّة في دفتر. وحصلَتْ لي بحمد الله تعالى مَلَكَة لا بأس بها، في حال أن زميلي لم يحصل على كبير شيء، وكان مني بمنزلة الآلة".

وتُعدُّ هذه المرحلة من أهم مراحل نشأة الشيخ وتكوينه العلمي، وقد بدت في أمرين، الأول: اهتمامه بعلم النحو دراسة وتطبيقًا وقراءة، ومن الواضح أنه أقبل على هذا العلم بكلّيته، واتّجه إليه برغبة وإقبال.

الثاني: الاستعداد الذهني والذكاء فإنه قد استوعب النحو وفهمه في مدة وجيزة، بحيث لم تطل دراسته عند أخيه، فلم تتعدّ الأسبوعين، ثم اتجه بنفسه إلى القراءة والبحث فيه، بدليل ما يأتي من كلام شيخه أحمد بن محمد المعلمي.

ثم انتقل الشيخ بعد هذه المرحلة التأسيسية إلى مرحلة جديدة من العلم، وهي الانتقال إلى قراءة علم الفقه والفرائض، وقد وفّق حين درس على الشيخ أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي، وقد وصفه الشيخ بالتبحّر في العلم كما سيأتي.

قال الشيخ:

"ثم ذهبتُ إلي بلدنا الطُّفن، ورأى والدي أن أبقى هناك مدَّةً لأقرأ على الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلِّمي (1)، وكان

ينقله، أو إقامة الحجَّة على مَن يعظِّم أصحاب تلك الكتب إذا نقل منها ما يؤيَّد الحقَّ.

* سابعًا: طبعات الكتاب:

للكتاب طبعتان فيما علمتُ:

1 - طُبع مائة صفحة من أوَّل مخطوطة الكتاب عام 1423 هـ عن المكتبة العصريَّة بتحقيق الداني بن منير آل زهوي، وبذل فيه جهدًا مشكورًا في التخريج والتوثيق، ولم تتيسَّرْ له القراءة الصحيحة للنصِّ في بعض المواضع، ومن أمثلة ذلك:

الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ | الصواب

51|9||فالأمر في هذا ربما يستغرب|بالقاف لا بالغين وهي واضحة في المخطوط، والمعنى لا يستقيم بهذا التصحيف

64|1||ما يُعلم منه أن الضمائر على. . . |ما يُعلم منه أن الضمائر للملائكة

64|7||بعد نقل تبويب بوَّبه البخاري: (ففي صحيحه إشارة واضحة) |ففي صنيعه إشارة واضحة

64|8||الإنكار|إلى الملائكة

64|9||سقط ما في خانة الصواب|ورأيتُ في بعض تعاليقي نَقْلَ مِثل قولِ مقاتل عن ابن عباس

يُنَزَّه عن ذلك.

هذا، مِع عِلْمنا أن مثل هذا لا تقوم به حُجّة، بل القصة بنفسها في ذِكْر كلام الهاتِفَين تدل على قُبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقًّا علينا الذبّ عن أهل البيت رضي الله عنهم.

****

[ص 52] البخاري في "صحيحه" (1) تعليقًا أيضًا، في باب الجريد على القبر: "وقال خارجة بن زيد: رأيتني ونحن شُبّان في زمن عثمان رضي الله عنه، وإن أشدنا وثبةً الذي يَثِبُ قبرَ عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".

قال في "الفتح" (2): وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير" من طريق ابن إسحاق.

أقول: قال في "التاريخ الصغير" (ص 23) (3) طبعة إله آباد: حدثنا عَمْرو بن محمَّد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة الأنصاري قال: سمعتُ خارجةَ بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وإن أشدّنا وثبةً الذي يَثِبُ قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه. اهـ.

وقد مر قريبًا (4) الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد علم ههنا سنده، فأقول:

تحقيق الحق في هذا البحث

هذا ما يمكن أن يقوله المتشدِّد، ولكن الذي ينبغي التعويل عليه، وأن يدان الله تعالى به:

أن أثر "خارجة" لا دلالة له على شيءٍ، لما مرّ.

وأن مرسل الشافعي، لا مانع من صِحّته، ولكن محله إذا كان التراب الذي أعيد في الحفرة لم يكفِ لارتفاعها قليلاً عن وجه الأرض، أو كفى للارتفاع ولكن خُشي أن يلتبس القبرُ بغيره، وأُرِيد أن يُمَيَّز لقصدٍ صحيح جائز شرعًا.

وكذا حديث وضع الحجر على القبر سواء بسواء.

[ص 51] وحديث ابن أبي شيبة، لا مانع من صِحّته، ولكن التسنيم الواقع على القبور، هو الناشئ عن إعادة تراب الحفرة إليها فقط.

وأما دعوى الإجماع؛ فإنها وإن كان فيها ما فيها، فهي غير معارضة لما قلناه؛ لأن الفقهاء نصوا على جواز رفع القبر قليلاً، ونصوا على حظر الزيادة عليه من غير تراب حفرته (1)، وهذا هو الذي نقوله: أنه يعاد إليه تراب حفرته.

فإن حصل ارتفاع قليلٌ فذاك، وإلا جُعلت عليه علامة ليُعْرف أنه قبر، فإن حصل الارتفاع، وخشي الالتباس بغيره، وأُرِيد التمييز لمقصد شرعي صحيح، فلا بأس بوضع علامة عليه. وبهذا يحصل تمييز القبور الذي

[ص 23] الباب الأول: في الضروريات

وهي أصول:

الأصل الأول: وجود رب العالمين

اعلم أن الأمم التي سمعنا بها من الأولين والآخرين وبلغنا شيء من أخبارها كلها مقرَّة بوجود رب العالمين، وقد بسطتُ في رسالة "العبادة" (1) ما تيسر لي من أدلة ذلك عن قوم نوح، وقوم صالح، وقوم هود، وقوم إبراهيم، والمصريين في عهده، ثم في عهد يوسف، ثم في عهد موسى، حتى فرعون نفسه، وأوضحتُ ذلك بالأدلة الشافية. وهكذا حال اليونان والهند والصين والمجوس والترك وغيرهم، وكذلك سائر الأمم المتوحشة، حتى زنوج أمريكا (2) التي لم تُكْتَشف إلا منذ أربعمائة سنة.

وأما الأفراد فقد يكون من السابقين من تشكَّك في وجود رب العالمين، أو كابر فجحد، كما يقع نحو ذلك من أفراد من الإفرنج المتأخرين، الذين قَصَروا علمهم على المحسوسات، كما تقدم.

فأما ما شاع في الكتب من تسمية فرقة من الفرق بـ "الدهرية"، فأصل هذا الاسم مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: 24 - 25].

الورقة الأولى من رسالة "حقيقة التأويل"

ورقة من تفسير البسملة

وهذا ما دفع الشيخ لإعادة طبع الكتاب في جهة أخرى، فطبعته مكتبة المعارف في الرياض مصورًا من الطبعة الأولى، وسميت بالطبعة الثانية مع التنبيه على كونها "مصححة منقحة"، وصدرت في سنة 1406، وهي السنة التي صدرت فيها طبعته "الثانية" من المكتب الإِسلامي.

ثم صدرت الطبعة الثالثة من مكتبة المعارف بالرياض سنة 1426، وهي مصورة من الثانية، فلا فرق بينهما.

وقد جاءت طبعتا مكتبة المعارف على غرار الطبعة الأولى، فاشتملت بعد مقدمة المحقق على ترجمة المؤلف (ص 9 - 14) بقلم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي، وعليها تعليقات للشيخ محمَّد نصيف؛ ثم كتاب "طليعة التنكيل" (15 - 77)، ثم كتاب "التنكيل" الذي استغرق مع الفهرس من الجزء الأول 548 صفحة، ومن الجزء الثاني 414 صفحة.

ونبَّه الشيخ الألباني رحمه الله في مقدمته على أنه ميَّز تعليقاته على الكتاب بالرمز لها بحرف النون، وأن في القسم الرابع من الكتاب تعليقات للشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة، وقد رمز لها بحرفي (م ع)، وربما صرَّح باسمه. أما التعليقات التي لا رمز لها، فذكر الشيخ أنها للمؤلف غالبًا.

قد استعمل الشيخ كلمة "غالبا"، فهل بعض التعليقات الغُفْل لشخص مجهول غير المؤلف والمحقق والشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة؟ أو يقصد أن بعضها له هو، ولكن فاته وضع الرمز في آخرها؟

مثل هذه التعليقات التي ليست للمؤلف وليس في آخرها رمز النون

نماذج من النُّسخ الخطية

الأول: أن ذلك الوادي مأوى للشياطين.

الثاني: أن النصارى كانوا يقفون بمحسّر، فأوضعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفةً لهم.

الثالث: أن المشركين كانوا يقفون به يتفاخرون بآبائهم.

الرابع: أن وادي محسِّر موضع نزل به عذاب.

وقد ضعَّف المؤلف الأقوال الثلاثة الأولى، ورجَّح الرابع وذكر له شاهدًا، وهو الإسراع في أرض ثمود. ثم قال: ولا يخدش في هذا الوجه أن نجهل ما هو العذاب الذي نزل بمحسّر، فقد ذكروا أنه عذاب أصحاب الفيل، وهو مخالف للمشهور أنه كان بالمغمَّس حذاءَ عرفة. وقيل: إن العذاب هو أن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار فأحرقتْه.

ثم عقد فصلاً لبيان أن محسِّرًا هل هو من منًى أو مزدلفة أم لا؟ فقد جاء ما يدلُّ على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم، وجاء ما يدلُّ على أنه من منًى في الاسم، وجاء ما يدلُّ على أنه ليس من منى ولا مزدلفة.

وقد أورد المؤلف الروايات الواردة في هذا الباب وتكلم عليها، ورجَّح القول الأخير: إنه ليس من مزدلفة ولا من منًى، وهو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. واستغرب قول ابن حزم: إن محسّرًا من الحلّ، وختم الرسالة بنقل كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم اللذين صرَّحا بأن محسِّرًا برزخ بين مزدلفة ومنًى، لا من هذه ولا من هذه.

هذه خلاصة مباحث هذه الرسالة الصغيرة، وفيها فوائد أخرى تتعلق

في هذه المسألة، فقال في تفسير التحرير والتنوير (1/ 559) - بعد أن تكلَّم على كاد والاختلاف فيها -: "وزعم بعضهم أنَّ قولهم: ما كاد يفعلُ، وهم يريدون أنَّه كاد ما يفعل أنَّ ذلك من قبيل القلب الشائع، وعندي أنَّ الحقَّ هو المذهب الثاني وهو أنَّ نفيها في معنى الإثبات، وذلك لأنَّهم لمَّا وجدوها في حالة الإثبات مفيدةً معنى النفي جعلوا نَفْيها بالعكس كما فعلوا في (لو) و (لولا) ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة، ولعل ذلك من قبيل القلب المطَّرد، فيكون قولهم: "ما كاد يَفْعل، ولم يكد يفعل" بمعنى: كاد ما يفعل، ولا يبعُد أن يكون هذا الاستعمال من بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرفَ النفي الذي حقُّه التأخير مقدَّمًا, ولعلَّ هذا الذي أشار إليه المعري بقوله: "جرت في لساني جرهمٍ وثمود"، ويشهد لكون ذلك هو المراد تغيير ذي الرمة بيته (1)، وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق، فإنَّه وإنْ كان من عصر المولدين إلا أنَّه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان في مرتبة شعراء العرب حتى عُدَّ فيمن يُحتجُّ بشعره وما كان مثله ليُغيّر شعره بعد التفكر لو كان لصحته وجه، فما اعتذر به عنه ابن مالك في شرح التسهيل ضعيف (2)، وأمَّا دعوى المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى في آية: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فإنَّ الواقفَ في الظلام إذا مدَّ يده يراها بعناء، وقال تأبط شرًا: [فأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كدتُ آيبًا] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ " اهـ.

نموذج من رسالة أصول التصحيح

(1) من العلماء المحققين (ت 1340). انظر "هجر العلم": (3/ 1265).

(1) (2/ 95 - ط الميرية).

(2) (3/ 265).

(3) "التاريخ الأوسط" رقم (126 - ط الرشد).

(4) (ص 45).

(1) انظر "بدائع الصنائع": (1/ 320) للكاساني، و"المغني": (3/ 435) لابن قدامة.

(1) (ص 439 - 551).

(2) المعروف أن الزنوج إنما جُلبوا إلى أمريكا مؤخّرًا عبيدًا للخدمة، ومن سكنها قديمًا إنما هم الهنود الحمر.

(1) روى القصة المرزباني بإسناده في الموشح (ص 235).

(2) شرح التسهيل (1/ 399).

· الجزء ١ · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٤٧