يقتله، ثم دعتْ لي رجلاً كان يوصف بالصلاح فجاء بسفوف، فصارت تعطيني من ذاك السفوف، ورزقني الله العافية".
تعتبر هذه المرحلةُ إلى هذا الحدّ المرحلةَ الأولى في التعلّم التي لم تتعد القراءة والكتابة وتعلّم القرآن ومبادئ الحساب، والظاهر أن الشيخ لم يكن في هذه المرحلة قد جاوز الخامسة عشرة من عمره لدلائل عديدة.
ثم بدأت المرحلة الثانية من طلبه للعلم من حين قدوم والده إلي الحجرية وتوجيهه لدراسة النحو، وهذا واضح من كلام الشيخ رحمه الله، قال:
"ثم جاء والدي رحمه الله لزيارتنا ومكث هناك مدَّة. سألني عمّا أقرأ في المكتب فأخبرته. ثم قال لي: فالنحو؟ فأخبرته أنه لا يُدرَّس في المكتب، فقال: ادرسه على أخيك. ثم كلَّم أخي أن يقرِّر لي درسًا في النحو، فكان يُقرئني في "الآجرُّومية" مع "شرح الكفراوي". استمرَّ ذلك نحو أسبوعين ثم سافرتُ مع والدي. ولا أدري ما الذي استفدته تلك الأيام من النحو، غير أن رغبتي اتَّجهت إليه، فاشتريتُ في الطريق بعض كتب النحو.
ولما وردْتُ (بيتَ الرَّيمي) وجدت أحمد بن مصلح الريمي رحمه الله قد عاد من شُهارة (1) [معقل] (2) الإِمام يحيى حميد الدين، وقد كان تعاطى هناك طلب النحو، وكانت معه كرَّاسة فيها قواعد وشواهد وإعرابات. فاصطَحَبْنا وكنّا عامة أوقاتنا نتذاكر، ونحاول إعراب آيات أو
ورجع إلى مغني اللبيب لابن هشام في الأدوات.
ورجع في أصول الفقه إلى: الرسالة للشافعي، والمستصفى للغزالي، والموافقات للشاطبي، وشرح المحليِّ على جمع الجوامع، مع حاشيتي البناني والعطَّار، وإحكام الأحكام للآمدي، وإعلام الموقعين لابن قيم الجوزية.
ومن كتب الفقه: الأمُّ للشافعي، والأنوار للأردبيلي، بواسطة الهيتمي، وحواشي الشرواني على التحفة، وإبطال الاستحسان (من الأم)، والمغني (مغني المحتاج إلى معرفة المنهاج) للشربيني، والهداية للمرغيناني، والعناية شرح الهداية للبابرتي، وردُّ المحتار (حاشية ابن عابدين) على الدُّرِّ المختار للحصكفي.
ومن كتب السنَّة والاعتقاد وعلم الكلام والأديان والفِرق: نهاية الإقدام للشهرستاني، والنونية لابن القيم، وشرح المقاصد للتفتازاني، وشرح المواقف للسيد الشريف، وشرح جوهرة التوحيد لابن الناظم، وحواشي الأمير على شرح الجوهرة، وحواشي البيجوري على الجوهرة، و (الفصل في) الملل والنحل لابن حزم، وكتاب ابن وضَّاح (البدع)، والصارم المسلول لابن تيمية، نقل عنه نقلًا طويلًا يتعلَّق بحكم الكذب على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، والاعتصام للشاطبي، والملل والنحل للشهرستاني، والمواقف للعضد الإيجي، وحاشية حسن جلبي على المواقف، وسِفر التكوين من أسفار التوراة.
هذه هي أهمُّ الكتب التي نهل منها وانتفع بها، أو ناقش مؤلفيها ولا يلزم من النقل عن بعض تلك الكتب تزكية لها، بل قد يكون ذلك للرَّدِّ على ما
وقد ذكر البخاري هذه القصة في باب ما يُكره من اتخاذ المساجد على القبور، قال في "الفتح" (1): "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفُسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة، فتزداد الكراهة.
وقال ابن المُنيِّر: إنما ضَربت الخيمةَ هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه، تعليلًا للنفس، وتخييلًا ... ومكابرةً للحسّ .... فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتِفَيْن بتقبيح ما صنعوا ... إلخ.
أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضَربت الخيمةَ للاجتماع لقراءة القرآن.
وهذا مع كونه ممنوعًا أيضًا، مردودٌ بقول الهاتِفَيْن: هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا.
فالقصة فيها زراية على زوجة الحسن، وهي كما في "الفتح": فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذٍ كلهم.
فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله عزَّ وجلَّ وأكمل عقولاً، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة، [ص 51] وفي الحديث: "لعن زوَّارات القبور" (2) أي: المكثرات لزيارتها، وضَرْب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنةً أبلغ من إكثار الزيارة, وأهل البيت أولى من
هيئة واحدة؛ لا يختلف قبر عن قبر. وهذا كما إذا أمرت الخباز بتسوية الأرغفة، يريد أن تكون كلها بقدر واحد على هيئةٍ واحدةٍ.
وعلى الثاني يحتمل أن يكون المراد بتسوية القبر، تسوية أطرافه.
وهذا لا يقتضي التسطيح كما قيل، فإن المسنَّم تسنيمًا محكمًا، بحيث إن ظاهر القبر يبقى أملس، بحيث لو بُسِط عليه ثوبٌ للصق به من جميع أجزائه، يقال له: مَسوًّى.
ولو رأينا كرتين من حديد، إحداهما مُحْكَمة التكوير ملساء، والأخرى يوجد في سطحها مواضع ناشزة، وأخرى منخفضة، لقلنا: إن الأولى مستوية، والثانية غير مستوية.
فإذا أُمِرْنا بإصلاح الثانية، صح أن يقال: أمرنا بتسويتها.
ويحتمل أن يكون المراد جعله سويًّا (1).
...
والذي ينبغي أن يُرَتَّب البحث التفصيلي بحسب الأربعة الأضرب المذكورة.
وهذا آخر المقدمات، وأسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والعون، اللهم يا مقلب القلوب ثبَّت قلبي على دينك، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
***
فصار الشيخ عبد الرزاق حمزة هو المحقق الأول!
2 - أضيف إلى هذه الطبعة شيئان: الأول مقال للشيخ محمَّد بهجة البيطار نشره في مجلة الرابطة العربية بمصر سنة 1357 بعنوان "الكوثري وتعليقاته". والثاني رسالة "المقابلة بين الهدى والضلال حول ترحيب الكوثري بنقد تأنيبه" للشيخ محمَّد عبد الرزاق حمزة بتحقيق عبد الله صالح المدني الفقيه، بعد حذف مقدمته.
وقد أشار إلى ذلك الأستاذ زهير الشاويش في مقدمته لهذه الطبعة قائلا: "فهذه الطبعة الثانية من التنكيل .. .أقدمها للقراء بعد العناية المتوجبة لهذا الكتاب القيم، الذي بذل فيه مؤلفه وأساتذتي العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي، والعلامة الشيخ عبد الرزاق حمزة، والعلامة الشيخ محمَّد بهجة البيطار، والمحدث الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني، ما بذلوه فيه من جهد، مضيفًا إلى جهدهم الكريم بعض التيسير والتعليق والإضافة، مع إعادة صف الكتاب بحروف جديدة واضحة، وتصحيح وترتيب يتناسب والأهمية التي يستحقها".
3 - حذف من الكتاب الباب الرابع منه، وهو الذي عنوانه: "القائد إلى تصحيح العقائد" بحجة "أنه بحث خاص، وعمل غير مرتبط بما سبق".
وقد أشار الشيخ الألباني إلى هذه التغييرات التي حصلت في هذه الطبعة التي صدرت دون استئذان منه، ثم قال: "وأما ما يتعلق بما في داخلهما (يعني هذه وطبعة أخرى ذكرها) من الأخطاء المطبعية، فهذا بحر لا ساحل له، فإنها من طبيعة الطبعات التجارية المسروقة".
ورقة أخرى من مسودات "الأنوار الكاشفة"
الباقي صالحًا لأن يُزاد في المسعى عند الحاجة، فما زيد فيه صار منه.
ثم إن الصفا والمروة هما الشعيرتان بنصّ القرآن، فأما ما بينهما فهو بمنزلة الوسيلة ليُسعَى فيه بينهما، والوسائل تحتمل أن يُزاد فيها بحسب ما هي وسيلة له، ولا يجب أن تُحدَّد تحديدَ الشعائر نفسها.
بهذا الفقه الدقيق ختم المؤلف كلامه في هذه الرسالة، التي تعتبر أولَ بحثٍ علمي رصين في هذا الموضوع، ولم أجد أحدًا سبقه إلى التأليف فيه، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
16 - رسالة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج، والكلام على وادي محسِّر:
توجد نسختها بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4704] في أربع صفحات، ويبدو أنها مبيضة، فليس فيها الشطب والإلحاق والتخريج كما في سائر مسوَّداته. وهي بقطع طويل 25 × 20 سم. وليس عليها تاريخ التأليف أو النسخ.
بدأها المؤلف بذكر الأحاديث الواردة في سير النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج بين المشاعر، وشرح كلمتي "العَنَق" و"النصّ" وأنهما من سير الإبل، وبيَّن أنه من عرفة إلى مزدلفة لم يُسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق العادة، وأنه ليس بينهما مكانٌ يُشرَع فيه الإبطاء أو الإسراع المعتاد، وإنما المدار على الزحام وعدمه.
أما من مزدلفة إلى جمرة العقبة فقد كان يسير سيرًا لينًا، حتى أتَى واديَ محسِّر، فقرعَ ناقتَه فيه لتُسرِع فوق العادة، حتى جاوز الوادي. ففهم الصحابة منه أن مثل ذلك الإسراع مشروع في ذلك المكان.
وقد اختُلِف في سبب الإسراع هناك على أقوال:
الأول: أن لا يكون قبلها ولا بعدها نَفْي، فَحَكَى الاتفاق على أنَّ معناها حينئذٍ (قارب) أو يزاد عليه (ولم يفعلْ) وهذا تصريح بمفهوم المخالفة.
الوجه الثاني الذي ذكره المؤلف لـ (كاد): أن يقع النفي بعد الفعل، ومراده بالفِعْل (كاد) ونظيرها (قارب).
الوجه الثالث لـ (كاد): أن يتقدّم النفي على الفعل (ومراده بالفعل - أيضًا - كاد ونظيره قارب)، فأمَّا (قارب) فإنَّه إذا تقدَّم النفي عليه نحو: ما قارب التلميذُ أن ينجحَ أفهم النفي وهو عدم النجاح جَرْيًا على القياس.
وأمَّا أخوه (كاد) فعلى خلاف هذا، فإنَّك إذا قلت: ما كاد التلميذُ ينجحُ، صار المعنى ثبوت نجاحه، وهذا مخالف لقياس لغتهم.
وقد وقفت على نصًّ قديم لأبي عبيدة معمر بن المثنّى (ت 210 هـ) يشير إلى أنَّ استعمال (كاد) منفيةً قد يكون أحيانًا من باب التقديم والتأخير والقلب وهذا أحد استعمالاتها عنده، حيث قال في كتاب "المجاز" (2/ 67): ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لبابِ كاد مواضع: موضع للمقاربة وموضع للتقديم والتأخير، وموضعٌ لا يدنو لذلك وهو لم يدنُ لأنْ يراها ولم يرها فخرج مخرج: لم يرها ولم يكد، وقال في موضع المقاربة: ما كدتُ أعْرف إلاَّ بعد إنكار، وقال في الدنو: كاد العروسُ أن يكون أميرًا، وكاد النعام يطير" (1) اهـ.
هذا وإنّي رأيت الشيخ محمَّد الطاهر ابن عاشور قد توافق مع المعلِّمي
ورقة من رسالة في تصحيح النصوص
(1) بضم الشين كما في "تاج العروس": (7/ 68) وتنطقها العامة بفتح الشين وكسرها، وهو حصن عظيم باليمن في محافظة صعدة. اتخذه كثير من أئمة الزيدية معقلًا لهم لتحصينه، انظر "معجم بلدان اليمن": (1/ 880 - 882)، و"هجر العلم": (2/ 1057 - 1060).
(2) كلمة لم تتبين ولعلها ما أثبت.
(1) (3/ 238).
(2) سبق تخريجه (ص 43).
(1) من قوله: "فيحتمل أن يكون المراد ... " إلى هنا جاء في (ق 53 ب) وقدَّرت أن يكون هذا هو مكانه المناسب، فالله أعلم.
(1) قارن بين هذا وبين ما نقلته عن ابن يعيش والكفوي حتى يتضح لك معنى التقديم والتأخير.