تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الخامس

شيوخه

لم نقف إلا على القليل من شيوخ العلامة المعلمي، وهذا القليل هو مَن نصّ على التتلمذ عليهم ووصَفَهم بكونهم من شيوخه. ولا أعتقد أن للشيخ شيوخًا كثيرين، بدليل أنه هو مَن أرَّخ لفترة طلبه للعلم باليمن إلى حين ارتحاله للإدريسي، ولم يذكر في هذه المرحلة (1312 - 1336) إلا شيوخه الثلاثة الأُوَل الآتي ذِكْرُهم، وعليه فلا نعتقد أنه أغفل ذِكْر شيوخٍ تلقى عنهم في هذه المرحلة، بل أخبر عن الواقع.

أما بعد رحلته إلى الإدريسي فقد تلقّى عنه كما صرح بذلك مرارًا، ونص أيضًا على أن العلامة باصهي من شيوخه.

ولا نشك أن الشيخ قد استفاد أيام الإدريسي من أولئك النخبة من العلماء الذين نزلوا عند الإدريسي بالمذاكرة والمناظرة في مجالس الإدريسي وغيرها، كما سبقت الإشارة إليهم.

أما بعد رحلته إلى الهند فلم نقف إلا على ذكر الشيخ عبد القدير الصديقي في إجازته للشيخ، وقد سبق نقلها.

وهذا يدلّ على نبوغ الشيخ وعبقريته، فبقليل من الدراسة للفن يفهمه ويبرع فيه، ويذكّرني قوله: إنه درس النحو أسبوعين حتى فهمه وتقدّم فيه = بما جاء في ترجمة شيخ الإِسلام ابن تيمية: أنه قرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي (1)، فسبحان مقسم المواهب والأرزاق!

[ص 90] وأطلق جماعةٌ توهينه.

وقال ابن معين: هو ضعيف، قبل أن تحترق كتبه، وبعد احتراقها.

وفَصْل الخطاب في حقه ما ذكره الذهبي في "الميزان" (1). قال: "قال ابن حبان: قد سبرتُ أخباره من رواية المتقدمين والمتأخرين، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا، وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار، فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء، على أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فألزق تلك الموضوعات بهم". اهـ.

أقول: فكأنَّ مَنْ أطلق الثناءَ عليه نَظَر إلى صِدْقه وعدالته، وسَعة علمه. ومن قال بصحة سماع المتقدمين، نظر إلى أن الرجل كان ضابطًا حينئذٍ، فالسماع منه صحيح، وإن كان يدلس. ومن خصَّ العبادلة، فلأنهم من المتقدِّمين المتحَرَّين.

وأما أبو زُرْعة؛ فكأنه علم أن كتابه صحيح، كما قال أحمد بن صالح، فصحَّح سماع من كان يتبع أصوله.

ولما رأى أن ما لا أصل له كثيرٌ في رواية المتقدمين، أي ممن لم يتبع كتابه، ظهر له أن الرجل لم يكن ضابطًا أولاً وآخرًا، فأطلق قوله: "وليس ممن يحتج به"، ولو اعتبر كما اعتبر ابن حبان لظهر له ما ظهر له.

[ص 91] وأما من أطلق التوهين؛ فنظر إلى الظاهر، ولم يعتبر.

وعلى كل حال، فلم يتكلم أحدٌ في صحة كتابه، وقد صرح الجمهور بأنه صحيح، وتدليسه عن الضعفاء لا يقدح في صحة كتابه، مع أن الظاهر أنه

الإرسال أشد، بخلاف قوله الأول، فهو مُشْعِر بأنه أخف، فكأنه هذا (هنا) عني الخفي لما فيه من إيهام اللقيّ والسماع معًا، وهناك عنى الجلي لعدم الالتباس فيه". اهـ.

أقول: قوله: "إيهام اللقي والسماع معًا"، أي لأن الرواية توهم السماع، ولا يكون سماع إلا مع لقي، وكلاهما غير واقع، بخلاف التدليس، فإن أحدهما وهو اللقي واقع.

(2) لكن الإيهام في التدليس أقوى لثبوت اللقاء.

(1) نعم، غالبًا، لكن قوة الإيهام فيه لا تنافي وجود الإيهام في الإرسال الخفي، على أن الإيهام في هذا لأمرين كلاهما غير واقع، وفي التدليس لأمرٍ واحد غير واقع، مع أنه قد يكون هناك قرائن تقوِّي إيهام اللقاء.

[ص 126] (1) فقد لزمكم على الأقل أن تسووا بين الأمرين، فكما أنكم لا تقبلون عنعنة من لم يثبت لقاؤه خشية الإرسال الخفي، وإن لم يوصف بأنه كان يفعله، فكذلك لا تقبلوا عنعنة من ثبت لقاؤه خشية التدليس، وإن لم يوصَف بأنه كان يدلِّس.

(2) ها هنا فرق، وهو: أن السلامة من التدليس هي الأصلُ، والظاهرُ من حال الثقة، فلا يقاوم لاحتماله وزن ما لم يُنقل.

(1) وكذلك نقول في الإرسال الخفي سواء، بل السلامة من الإرسال الخفي أقرب، لأمور:

منها: أنه أقبح وأشنع كما مر، فالثقة أشد بُعْدًا عنه.

شرط لوجود الأجسام، فلا يقدر الباري عزَّ وجلَّ أن يعدمه مع بقاء الأجسام.

وبالجملة فالقول بما يستلزم هذا القدر من الاحتياج خير بألف درجة بل بما لا يُحْصَى من القول بما يستلزم عدم وجود الرب.

فذكرت له ما حضرني، وكان من آخر ما قلت له: إن كنت مصممًا على أنه لا يمكن الوجود إلا في جهة، فخيرٌ لك أن تعتمد على أن الفضاء أمر عدمي، وتقف عنده.

قالوا: وأما حجتكم الثالثة فإننا لا نطلق على الرب عزَّ وجلَّ أنه جسم، فإن عنيتم بالجسم ماله جهة، وهو قائم بذاته، فإننا نلتزم ذلك، ولا نقول: إنه جسم، ونقول: إن ذات الله تبارك وتعالى عظيمة. ولا نحدد قولكم: "مركب من أجزاء".

نقول: المركب ما ركبه غيره، والرب عزَّ وجلَّ قديم تعالى الله عن ذلك، والأجزاء مأخوذة من الجزء، وهو القسم، وذات الرب عزَّ وجلَّ لا تتجزأ، وكذلك الأبعاض والأقسام والأعضاء، كل هذا يتضمن التفصيل والتفريق، إما بالفعل، وإما بالإمكان، والباري عزَّ وجلَّ يتعالى عن ذلك.

فإن قلتم: إننا نطلق المركب وذا الأجزاء على ما هو أعم مما ذكرتم، فالمقصود أن ذات ربكم بحيث يمكن لمن رآه أن يشير إلى شيء منها دون شيء، وما كان كذلك فهو في اصطلاحنا مركب ذو أجزاء.

قلنا: يمكن أن [ص 53] نلتزم ما ذكرتم في ذاته تعالى، ولا نقول: مركب، ولا ذو أجزاء، تعالى الله عن ذلك.

فإن قلتم: فإن قولنا: المركب محتاج إلى جزئه، يجري فيما ذكر،

توكيل الولي غير المجبر

(1) "الجامع لسيرة شيخ الإِسلام" (ص 250).

(1) (3/ 189 - 197).

· الجزء ١ · الصفحة ١٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ١٠١