إما عن طريق الوحي، أو أن يصرّح مقترف الذنب ويتلفظ بلسانه ويخبر عن استحلاله وتحرجه القلبي ..
واعلم أن القوم ها هنا قد تحقق فيهم كلا هذين الوجهين فهم من أكفر الخلق ..
- فقد نصّ الوحي كما تقدم في الآيات على تكذيب إيمان من لم يكفر بالطاغوت وأراد التحاكم إليه، فنحن نحكم ببطلان إيمان أمثال هؤلاء ظاهراً وباطناً أيضاً تصديقاً لله وإيماناً بكلماته، (وهذا حكم وليس قيداً للحكم) ونُكذب هذا المتحاكم للطاغوت ولو زعم الصدق والإيمان والتوفيق والإحسان، ولو صرّح بأن الشريعة أفضل من دين الطاغوت وقانونه، وأقر بوجوب تحكيم الشرع أو قال: ادعوا لنا .. أو أعينونا .. ونحوه مما يضحكون به على السفهاء، ويرقّع به لهم المرقّعون الضالون .. ما دام مستمراً في التحاكم للطواغيت، داخلاً في دينها غير كافر بها .. هذا من جهة ..
- ومن الجهة الأخرى فإن هؤلاء الطغاة قد صرّحوا في مذكراتهم التفسيرية للدستور - كما بيّناه في (كشف النقاب) - ونصوا على تحرّجهم من توحيد الله وإفراده في التشريع، في تفسيرهم للمادة الثانية من ياسقهم ..
ومن هذا تعلم أن كفر القوم كفر مركب .. بشهادة الله ووحيه، وبتصريحهم هم أنفسهم أيضاً ..
ومع هذا يتورع في تكفيرهم أفراخ المرجئة، فيعصمون دماءهم وأموالهم بل ويصلّون خلفهم [3] ويستعينون بهم على من خالفهم وخالف مذاهبهم الفاسدة وإن كان من أهل التوحيد [4] .. ويصفونهم بالخوارج - الكفار على قول طائفة من السلف - لكفرهم بالطاغوت وتكفيرهم له ولأوليائه وأنصاره .. فيتورعون من تكفير من رأيت حالهم، في الوقت الذي لا يتورعون ولا يلتزمون حدود الله فينا فيكفروننا بمحض التوحيد .. تماماً كما هو حال خصوم دعاة التوحيد في كل زمان .. قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وخصومنا قد كفرونا بالتي ... هي غاية التوحيد والإيمان
ونحن نكلهم إلى رب العالمين يوم يتبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا، ويناديهم الجبار: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص: 74].
ويومها سنرفع شكايتنا إلى رب العالمين وسنقول: يا رب قد بدّعونا ورمونا وبهتونا بما علمت، لأننا كفَّرنا من هدم التوحيد ونصر الشرك والتنديد ..
يا رب ما كفَّرنا إلا من كفَّرته في كتابك وكفّره رسلك .. يا رب كفَّرنا أعداء دينك، تصديقاً بكلامك واتباعاً لرسلك وإيماناً بكتابك وانتصاراً لشريعتك ..
أما أنتم يا أفراخ المرجئة فماذا ستقولون؟ وبماذا ستجيبون وتدفعون؟ .. أتقولون: يا رب تورعنا عن تكفير أعداء دينك الذين وصفتهم بالكفر في كتابك، وحكمنا لهم بالإسلام تورعاً واحتياطاً وتنزهاً .. وبدعنا - وربما كفرنا - من كفّرهم وأنزل وصفك عليهم وسفهناه وحاربناه وصددنا الناس عن دعوته؟
فشمّر أخا التوحيد لنصرة دين الله .. ولا تبال أو تتضرر بالمخالفين والمخذلين، وتجهز ليوم المحاجة بين يدي جبار السموات والأرض لنحاجج أعداء الدين وأوليائهم وأنصارهم عند ولينا وناصرنا ..